فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 148

وقد اعترض بعضهم على هذا الضابط، رافضًا أن يحاكم الحديث لمعرفة صحته إلى التجربة معتمدا على صدق الراوي وضبطه؛ لأن التجربة قد تتخلف بعض شروطها، فيظن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كذب، ومن ثم غاية ما تدركه التجربة أن الكلام معناه صحيح، ولا يعني أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم [12] ، ومقتضى كلامه صحيح لولا احتمال جواز خطأ الرواة ونسيانهم، ونحن نؤمن بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وتنزيهه عن الكذب، ولكن لا تشمل تلك العصمة الرواة، فالسؤال الذي يطرح هنا هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟.

وهذا السؤال يرد أيضا على ما نقله ابن حجر عن ابن أبي جمرة إذ قال:"تكلم الناس في هذا الحديث - وهو:"الحبة السوداء ..."وسيأتي ذكره بالتفصيل - وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأنا إذا صدّقنا أهل الطب، ومدار علمهم غالبا على التجربة التي بناؤها على ظن غالب، فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم" [13] .

إن هذا الكلام يقتضي أمرين: الأول أن الحديث مقدم على التجربة، والثاني أن كل كلام النبي صلى الله عليه وسلم هو وحي.

أما الأمر الأول: فيُعترض عليه بأن الحديث، ونقصد خبر الواحد، لا يفيد إلا غلبة الظن عند كثير من المحدثين، والتجربة كذلك بناء على كلام ابن أبي جمرة، وبالتالي لا بد من مرجح يرجح أحدهما، وهنا نُحكّم علم مختلف الحديث، ولا يجوز إطلاق القول بتقديم الحديث. ومن جهة أخرى إذا كانت التجربة قد تتخلف بعض شروطها ولها حكم النادر، فكم هي نسبة أخطاء الرواة في الأحاديث المدرجة والمضطربة والمروية بالمعنى، وغيرها -على سبيل المثال- على اعتبار أنهم ثقات، ومع ذلك فإن نسبة غلبة الظن إذا لم تصل إلى درجة القطع في التجربة فإنها تفوق كثيرا نسبة غلبة الظن بالحديث.

أما الأمر الثاني: فإن ابن خلدون مثلا قد أخرج جميع أحاديث الطب عن نطاق الوحي والتشريع، وأخذ بها من باب التبرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت