فيتراءى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يودّع مكّة قائلا:"ما أطيبك من بلد وأحبّك اليّ ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك", كما تراءى صورته وهو يأوي الى غار ثور يلاحقه طلب المشركين وعيونهم, وصورته وهو يتوجه صوب المدينة المنوّرة, وقد ظهر من ورائه غبار, فاذا هو سراقة بن جعشم يريده طمعا بالفوز بالجائزة التي أعلن عنها المشركون لمن يأتيهم بمحمد, ثم تتراءى لنا صورة سراقة عندما أيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حماية ربه عز وجل, فآثر أن يرجع بكتاب أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويصد عنه الطالبين له باءيذاء.
وكذلك تتراءى لنا صورة صهيب الرومي رضي الله عنه عندما أراد الهجرة, فمنعه كفار قريش قائلين له: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا, وبلغت الذي بلغت, ثم تريد أن تخرج بنفسك ومالك, والله لا يكون ذلك. فقال لهم: أرأيتم ان جعلت لكم مالي, ولما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ربح صهيب ربح صهيب". وتتراءى صورة أم سلمة وزوجها أبي سلمة في هجرتهما وما جرى لهما من أحداث وآلام.
فنستشعر من خلال حركة المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم في هجرتهم المقدّسة تجسيد حقيقة الايمان الحق بالله رب العالمين, وكيف أنهم أعلنوا من خلال صبرهم وثباتهم: أنه لا ينبغي لدعوة باطلة واغراءات الشر وشهوات الدنيا أن تنال شيئا من سلامة العقيدة الاسلامية في قلوبهم, اذ أيقنوا أن الحياة بلا اسلام لا معنى لها, وأن الحياة بلا طاعة وعبادة لله تعالى لا خير فيها, بل هي أشبه بالموت, لأن كل شيء سوى الاسلام دمار, وكل شيء سوى توحيد الله ضياع, وكل شيء سوى طاعة الله رب العالمين عذاب وشقاء.
أيها الاخوة المؤمنون:
لقد شعر السابقون بهذه الحقيقة عندما قاسوا ما بين حياتهم قبل الاسلام وحياتهم بعده.