فمن ضيّع فرائض الله, وتعدّى حدوده, وانتهك حرماته, واستخف بشرعه, وأدبر عن هديه, وتنكّر لنعمه وفضله, كام من الخاسرين, ولم يك من التقوى في شيء لقوله عليه الصلاة والسلام:"ان الله يقول يوم القيامة: أمرتكم فضيّعتم ما عهدت اليكم فيه, ورفعتم أنسابكم, فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم, أين المتقون؟ ان أكرمكم عند الله أتقاكم".
فليست التقوى فقط قيام ليل وصيام نهار والتخليط فيما بين ذلك, وانما التقوى أداء ما افترض الله, وترك ما حرّم الله, فمن فعل هذا باخلاص وقف على حد التقوى التي هي سبيل نجاته من عذاب الله يوم القيامة.
وهذا ما حدا بالحسن البصري رضي الله عنه الى أن يقول: ( ما ضربت ببصري, ولا نطقت بلساني, ولا بطشت بيدي, ولا نهضت على قدمي, حتى أنظر أعلى طاعة الله أم على معصية؟ فان كانت طاعة تقدمت, وان كانت معصية تأخرت"."
ولقد جاء في الحديث القدسي ما يوضح مراد الحسن البصري رضي الله عنه في وصف نفسه مع تقوى الله حيث يقول سبحانه:"وما تقرّب اليّ عبدي بشئ أحب اليّ مما افترضته عليه, ولا يزال عبدي يتقرّب اليّ بالنوافل حتى أحبه, فاذا أحببته, كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينّه, ولئن استعاذني لأعيذنّه".
ومن كان الله معه ببصره, غضت عينه عن محارم الله, ومن كان الله معه بلسانه, كف لسانه عن الغيبة والكذب وقول الزور والبهتان, ومن كان الله معه بسمعه, رفضت أذناه سماع المنكر والباطل, ومن كان الله معه في جميع كيانه, لم يقبل جوفه الحرام, ولم تسع قدماه الى المعاصي, ولم تبطش يداه ظلما, ولم تمسّ حراما, ويستقيم عقله على الحق, ويستنير قلبه بالهدى.