اعلموا أن الرزق المقسوم آية من آيات الله سبحانه وسرّ من أسراره قام دليلا ساطعا على تفرّده سبحانه بالألوهيّة والربوبيّة, وفي مضمار الحديث عن هذه الآية الكونية الجليلة التي تملأ حياتنا, وتغمر محيط المخلوقات من حولنا أقول:
أيها الاخوة المؤمنون:
لقد بيّن الله لنا في محكم تنزيله أنه جعل لنا الأرض مهدا تستقرّ فيه حياتنا, ويستمرّ على أديمه وجودنا فقال جلّ ذكره: { والأرض وضعها للأنام} , وقال: { ألم نجعل الأرض مهادا} , ومن مقتضى كون الأرض مهدا لحياة الانسان وسائر المخلوقات أنه أودع فيها ما يستدعي استمرار هذه الحياة من ألوان الرزق ووسائل العيش, وأشار سبحانه الى أن ما أودعه من الأرزاق وطرائق المعاش كاف للخلق أجمعين فقال تعالى: { ولقد مكّناكم في الأرض وجعل لكم فيها معايش, قليلا ما تشكرون} , وقال: { وان تعدّوا نعمت الله لا تحصوها} .
معشر المؤمنين:
حيث خلق سبحانه الخلق, وأوجدهم في هذه الحياة, وساق لهم أرزاقهم, أعلن أنّه ليس لأحد سلطان على هذا الرزق الا الله, ولخّص هذه القضيّة الايمانيّة بقوله: { وما من دابّة في الأرض الا على الله رزقها} , فالرزق بيد الله وحده القائل في صرسح قرآنه: { الله الذي خلقكم ثم رزقكم} , بل أقول أيها الاخوة المؤمنون: لقد حدّثنا الله سبحانه في كتابه العزيز عن الرزق في مئة وثلاثة وعشرين موضعا ما فيها موضع واحد صرّح فيه بأن الرزق بيد غيره أو أن لأحد من خلقه سلطان عليه, بل أعلمنا أنّ الرزق غيب من غيبه سبحانه فقال: { وفي السماء رزقكم وما توعدون} , وبيبّن أنّ الرازق يقتضي أن يكون خالقا حتى تصحّ نسبة الرزق اليه, وأمّا المخلوق فلا يصحّ في العقل تصوّره أن يكون رازقا لاتصافه بالمخلوقيّة, فمن فقد القدرة على الخلق فقد القدرة على الرزق.
ولقد أكّد الله تعالى هذه الحقيقة في معرض تحدّيه للمعاندين, فقال: { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض} .