ففي الانفاق يشعر الفقير بمدى حرص الغني على قضء حوائجه والعناية بشأنه. كما يشعر الغني بمدى واجبه تجاه اخوانه المؤمنين, فتتلاقى القلوب على الحب, وتجتمع على الألفة في اطار ذلك التباذل الذي لا يبتغي به المنفقون غير وجه الله تعالى.
وبهذا تتكشف حقيقة جليلة عن حقائق الاسلام التي تعلن عن نهضته الاصلاحيّة في واقع الحياة, فيعلم الناس أن هذا الدين الخالد ما جاء ليهبط بالانسان الى الحضيض, وليقذف به الى هامش الحياة ليعيش في قبور الفقر والفاقة, ولم يأت ليزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرا, وانما جاء ليحقق التوازن في حياة الخلق حتى تستقيم أمورهم, ويصلح معاشهم. جاء ليجمع الناس على مائدته الخالدة, فيكوننوا في ظلّه سواء لا فوارق بينهم الا بالتقوى. جاء ليسمو بالفقراء الى منازل الأغنياء, ثم يقول لهم: هكذا يجب أن تعيشوا مع بعضكم متعاطفين متحابين متعاونين متباذلين, لتستوجبوا بذلك محبّة الله تعالى لكم الذي قال:"وجبت محبتي للمتحابين فيّ. وجبت محبتي للمتباذلين فيّ".
ولتكونوا يوم القيامة في الجنة اخوانا على سرر متقابلين.
من أجل هذه مدح الله الانفاق في سبيله وحضّ عليه, وأثنى على المنفقين, فقال: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبّون, وما تنفقوا من شيء فان الله به عليم} .
وقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم} .
وقال: { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .
أيها الاخوة المؤمنون:
لقد ترجم المسلمون الأوائل دعوة القرآن الكريم الى النفاق سلوكا عمليا وتنفيذا فعليّا عندما اتخذوا من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلّم وسيرته الطيّبة أسوة حسنة وقدوة صالحة في هذه الميدان المجيد, حيث كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر, وكان في جوده أسرع من الريح المرسلة.