وكأني بخطبة الجمعة تتجمّع فيها قوة التأثير العظمى بالنسبة لسائر جوانب تلك الفريضة, لأنها لسان الموعظة الاسلامية الصريح والمضمار الذي تتدفّق عبره الأفكار والمفاهيم والتصوّرات والمعتقدات التي تتعلّق بمختلف جوانب حياة المسلم, وتتناول شتّى أطوار عيشه وظروف وجوده, وتناقشها على ضوء المنهج الاسلامي القويم نقاشا تصرف فيه العلاجات المناسبة, وتوضع الحلول الصحيحة والأجوبة الصائبة لجميع قضايا المسلمين التي تجدّ في حياتهم, وتظهر على مسرح وجودهم. في مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية والدينيّة, وبهذا تكون صلاة الجمعة بخطبتها مؤتمرا دوريا أسبوعيا, يلتقي فيه المسلمون, يعرضون فيه قضاياهم على مائدة الاسلام ليصدروا عنها برأي واحد, وفكر واحد, ونتائج واحدة تنبثق من مشكاة القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وكم يحتاج المسلمون اليوم ازاء ما يمرّون به من ظروف قاسية وشدائد ومحن أن يلجو ذلك الحصن المنيع, ثم يصدروا عنه أشدّاء أقوياء مشحوذة عزائمهم أبيّة نفوسهم, متفقة مقاصدهم, متحدة أهدافهم, متألّقة آمالهم, يشكّلون من أنفسهم قوة صامدة, تتحطّم أمام صلابتها مقاصد أعدائهم ونوايا خصومهم. فعندما تذكّرهم منابر الجمعة مأساة المسجد الأقصى وما فعله اليهود الغاصبون من تذبيح وتقتيل للمصلّين في رحابه الطاهرة, يهز هذا التذكير مشاعرهم, ويؤجج بركان الغضب في أعماقهم, فيستحيلون في وجه المستعمر الغاصب والعدو الغادر حمما ثائرة لا تبقي ولا تذر.