فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 151

يأتي رمضان في كل عام لينتشل الغارقين السادرين في مستنقعات الشهوات, الغافلين المنغمسين في أوحال المادّة, ويخلّصهم مما هم فيه من ارتكاس وتخبّط, ويعيدهم عبر قيام ليله وصوم نهاره الى أصالة فطرتهم, وصفاء قلوبهم, وسموّ أرواحهم, معلنا في آفاق وجودهم أنهم لم يخلقوا عبيدا لشهواتهم, وأرقاء لأهواء نفوسهم, وانما خلقوا عبيدا لله وحده لا شريك له الذي أعلن قائلا في كتابه الحق: { وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} , والذي أمر الناس فقال: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} .

فمن استنكف عن عبادة الله عز وجل وآثر عليها عبادة الدنيا, فتهالك على شهواتها الخاسرة, وزينتها الفانية, واستحب الفسوق والعصيان على الهداية والايمان لن يجني من ذلك سعادة منشودة, وطمأنينة مقصودة, وانما سيقطف ثمار ذلك شقاء وتعاسة وخيبة وخسرانا. وذلك هو واقع المجتمعات المادّية القابعة في ظلمات الحضيض البهيمي, لا يزال يحدّثنا عن انسانه الذي وقع فريسة شهواته وحب دنياه وملذاته, وحرص على تضخيم جانبه المادي على حساب كيانه الروحي, فانحصر تفكيره وطاقاته, وعواطفه واتجاهاته في دائرة طعامه وشرابه وأمواله ونزواته ولذائذ حياته, فلم يجن ذلك الانسان الذي آثر جسده على روحه, وعبد شهوته دون ربه, لم يجن نتيجة ذلك سوى مرارة الشقاء والنكد, حيث عصفت به ظلمات الشرور وسحقته رحى المادّة, رغم ما أحرزه من تقدّم باهر في مجال العلوم العصرية والاكتشافات العلمية والدراسات الكونية, وتمثل شقاء انسان تلك المجتمعات المادية الخاسرة في أزمات نفسية أخذت تحطم كيانه تحطيما, وأمراض خطيرة راحت تأكل جسده أكلا, ودمار في سلوكه وأخلاقه, وصراع دائم لا يهدأ بين أفراد مجتمعه, وتمزق في أواصره وروابطه الأسرية والاجتماعية والانسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت