أيها الاخوة المؤمنون:
في مثل هذه الأيام تتهج مشاعر المؤمنين ويشتد حنينهم الى البيت العتيق الذي جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا, فتحرّك جموعهم الغفيرة من شتى بقاع الأرض متجهة الى المسجد الحرام, ليشهدوا أعظم مظهر عبادي عرفته الحياة, وأضخم وحدة روحية شهدها الوجود..
أجل أيها المؤمنون:
انها فريضة الحج التي يجسد المسلم بأدائها في أعماقه وسلوكه واقع العبودية الخالصة لربه, ويترجم مفهوم الاستجابة المطلقة لخالقه سبحانه في أوامره ونواهيه, ويوليه غاية الحب وصادق التذلل والخضوع لوجهه الكريم, فهو مدخل رحب الى طاعة الله تعالى ومسعى كريم الى القرب منه والتعرّض لرحمته ورضوانه, لهذا عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال:"ايمان بالله ورسوله"قيل: ثم ماذا؟ قال:"جهاد في سبيل الله"قيل ثم ماذا؟ قال:"حج مبرور".
فاعلم أيها المسلم أن الحج عبادة ترتقي بالمؤمن الى أعلى منازل الايمان وأسمى مراتبه, وتنطلق به في مضمار جهاد لا قتال فيه.
واعلم أيها المسلم أن الحج عبادة تفضي بالعبد الى المغفرة من الذنوب, وتخلصه من ماض تراكمت فيه الأوزار, وتفاقمت فيه الشرور والآثام والخطايا التي تنوء بها الجبال, فيرجع بذلك العبد الى أهله بعد أداء حجة طاهر القلب, زكي النفس, مشرق الروح, نقي الوجدان, نظيف الظاهر والباطن من الذنوب, مستقيما على هدي الفطرة, كما قال عليه الصلاة والسلام:"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".
فالحج يامعشر المؤمنين محرقة للذنوب, ومطهرة للقلوب, وفي ذلك قال رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه:"تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة, وليس للحج المبرور ثواب الا الجنّة".