واستطاع عليه الصلاة والسلام خلال مسيرة دعوته الخالدة أن يخرج البشرية من دوّامة تمزقها وضعفها وصراعها وضياعها وانحطاطها, ويستخرج منها خير أمة أخرجت للناس تجتمع كلمتها على الحق والايمان وتلتقي قلوبها على الود والعرفان. وانطلقت تلك الأمة بعد ذلك لتكتب أروع صفحات المجد في تاريخ البشرية, وتبني أعظم صرح حضاريّ عرفته الحياة, فاض بالعلم والهداية والحق والخير, والعزة والانتصار.
أيها الاخوة المؤمنون:
وشاء المولى سبحانه أن تتنزل على هذه الأمة الاسلامية فريضة تحقق وحدتها الروحية لتصون بها وحدتها الجسدية, فكانت فريضة الحج ذات البعد السامي والعميق في ترسيخ دعائم تلك الوحدة الاسلامية. حيث ينطلق المسلم في موسمها في كل عام يتخطى حدود بلاده ليصل الى البقعة التي ضمّت قبلة الاسلام, وجعلها الله المحور الذ تلتف حوله أقطار الأمة المسلمة من كل جانب, والقطب الروحي الذي تنجذب اليه أفئدة المؤمنين من كل فج عميق. فيلتقي المسلم الحاج بالأمة الاسلامية برمتها لقاء توحيديا شاملا يحس فيه بقربه الروحي والجسدي من كل مسلم في أية بقعة كان من بقاع المعمورة, بل يشعر بذوبانه في بحر التجمّع الاسلامي الكبير الذي تشهده الحياة في كل عام في أشهر معلومات وأيام معدودات.
أيها الاخوة المؤمنون:
يجب علينا أن نشعر بعمق تلك الوحدة الروحية الشاملة في حياتنا, فنتحسس من خلالها آلام المضطهدين والمعذبين من المسلمين في شرق الأرض وغربها حيث يسامون على أيدي أعداء الله ألوان العذاب والتنكيل, وما قضيّة فلسطين بسر, التي تي\ستصرخ مع كل قطرة دم تراق من أبنائها ضمائر المسلمين: أن هبوا لنجدتي, فقد استحرّ القتل في أبنائي, وهتك عرض بناتي, وتكسّرت راياتي.