فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 94

و لكن رغم ضعف هذين الرجلين إلا أنهما لو كانا حقيقة راويا الحديث لقبلناه و اعتبرناه صحيحا بل من المعجزات و الخوارق لأنهما، مع كونهما معاصرين للإمام الصادق أو الإمام الكاظم، إذا رويا حديثا تُنُبِّئَ فيه بأن الإمام بعد حضرة الكاظم سيكون حضرة الرضا و بعده حضرة الجواد وهكذا حتى آخر إمام، فإن هذا الإخبار يكون إخبارا بأمر مغيب بالنسبة لهما و لما وقع بالضبط كما أخبرا فالحديث معجزة لا بد أن يكون صادرا حقا عن المعصوم!

لذلك نحن نقطع أن الحديث ليس من وضعهما بل من وضع من بعدهما، و وجود أشخاص مثل صالح بن أبي حماد الذي كان يعيش في القرن الهجري الثالث، يكفي للقول بأنه إما هو الذي وضعه بتمامه أو أنه أخذ جزءا منه و أكمله من عنده على هذا النحو! فلنر ما قاله علماء الرجال بشأن صالح هذا:

1ـ نقل الممقاني في تنقيح المقال (ج 2/ ص 91) عن النجاشي أن: [أمره كان ملتبسا يُعْرَف و يُنكَر و ضعَّفه ابن الغضائري و قال العلامة (الحلي) في الخلاصة: المعتمد عندي التوقف فيه لتردد النجاشي و تضعيف الغضائري] وقوله يُعرَف ويُنْكَر أي أحيانا يروي روايات معروفة وأحيانا يتفرد برواية مناكير لا تُعْرَف.

2ـ و نقل التفرشي في نقد الرجال (ص 296) نفس الكلام عنه.

3ـ و اعتبره الأسترآبادي في منهج المقال (ص 180) أحمقًا!

فمثل هذا الراوي الأحمق الذي ضعفه كبار علماء الرجال و اعتبروه مشكوكا به ملتبس الحال، لا يتورع عن وضع هكذا حديث يشهد متنه بكل وضوح بأنه موضوع مختلق.

و فيما يلي بيان دلائل الوضع في متنه:

1)بتأمل ألفاظ الحديث و نسقه نلاحظ أنه يجعل الإمام الصادق عليه السلام يرويه رواية من حضر الواقعة بنفسه، حيث يقول: قال أبي لجابر و لا يقول سمعت أبي أو عن فلان .. و في كل الحديث يتحدث الصادق حديث من هو حاضر في الواقعة كقوله في آخر الحديث: [فمشى معه أبي عليه السلام حتى انتهى إلى منزل جابر فأخرج إلى أبي صحيفة] ' .... إلى قوله: [فو الله ما خالف حرف حرفا] فلهجة القسم تقتضي أن المقسِم كان حاضرا بنفسه و مشاهدا لما حدث. لكن حضور الصادق عليه السلام في مثل هذه الواقعة أمر مستحيل تاريخيا إذ أن ولادته عليه السلام حدثت، حسب التواريخ المعتبرة، سنة 83 هـ، و تقدم أن وفاة جابر كانت، طبقا لكل التواريخ، تتراوح بين 73 و 77 هـ، مما يعني أن الصادق عليه السلام لم يدرك جابرا أبدا فالحديث كاذب قطعا.

2)جاء في آخر الحديث أن الإمام الباقر عليه السلام قال لجابر: [انظر في كتابك لأقرأه قال: فنظر جابر في نسخته .. ] ، هذا مع أنه بشهادة جميع المؤرخين وكتب تراجم الصحابة أن جابرا كف بصره في أواخر عمره و بالتحديد في السنة 60 أو 61 هـ [1] [7] فكيف استطاع أن ينظر في الصحيفة و يقرأ منها؟!

3)في بداية المكتوب في اللوح جاء [كتابٌ من الله لمحمدٍ نوره و سفيره وحجابه و دليله، نزل به الروح الأمين .. ] و الواقع أنه لا يوجد في أي آية أو حديث صحيح وصف للنبي بمثل هذه الأوصاف خاصة بأنه سفير الله أو حجاب الله بل هذه من الألفاظ المستحدثة التي أطلقت فيما بعد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا سيما في أوساط الصوفية و أهل العرفان.

4)عبارة [فمن رجا غير فضلي و خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين!] عبارة من البعيد جدا أن تكون من كلام الله عزَّ و جلَّ العدل الرحيم و الخبير بعباده المحيط بأحوالهم، فمثل الوعيد بالتعذيب بعذاب لا يعذبه أحدا من العالمين إنما يكون لمرتكب كفر مبين و إثم فاحش فظيع فيه تحد لآيات الله الواضحة (كالوعيد الذي هدد اللهُ تعالى به الذين طلبوا المائدة من أصحاب عيسى إذا كفروا بعد إنزالها) ، و لا يكون على أمر هو من الضعف البشري الذي يعتري كل إنسان، فكم من راج غير فضل الله و كم من خائف غير عدله بل يجب القول أن العدل يجب ألا يُخاف منه سواء عدل العباد أم عدل رب العباد، بل الخوف من عدل الله كفر، فجملة: أو خاف غير عدلي، جملة لا معنى لها و يبدو أن الذي لفق الحديث لم يكن ينتبه لما يقوله، ثم أي مؤمن أو حتى نبي لم يخف من غير عدل الله؟! ألم يقل الله تعالى عن موسى عليه السلام: {قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون} القصص /33، و في الآية 18 من نفس السورة قال عنه: {فأصبح في المدينة خائفا يترقب!} و قال عن زكريا عليه السلام: {و إني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا} مريم /5، و قال عن إبراهيم عليه السلام لما جاءه الضيوف الملائكة: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة} هود/70، و قال عن سيد الرسل و أكرم الخلق معاتبا: {و تخشى الناس و الله أحق أن تخشاه} الأحزاب / 37 ... إلخ فما تلك العبارات الجوفاء إذن التي لفقها واضع الحديث على لسان الله عز وجل؟؟

5)جملة [و مّنْ غيَّر آية من الكتابي] بالإضافة لخطئها النحوي إذ المضاف لا يُعَرَّف، فإنها جملة في غير محلها و لا معنى لها، ذلك أنه ما دام الكتاب أمرا سريا خاصا بين الله و الرسول و أهل بيته فعلام التحذير و التهديد حول تغيير آية منه وهل من الممكن أو المتوقع أن يغيره الرسول أو أهل بيته؟؟؟

6)و العجيب أنه يقول عن الإمام التقي [و يشفِّعه في سبعين من أهل بيته] فقط! و هذا خلاف لعقائد الإمامية الذين يرون أن الأئمة يشفعون لشيعتهم، ولذلك يعتبر قلة لطف في حق الإمام لا امتنانا عليه!

7)أشار في آخر الحديث إلى شيء مما سيحصل من العلامات لدى عهد الإمام الثاني عشر فقال: [ستذل أوليائي

(1) من المعروف أنه كان ضريرا لما ذهب لزيارة قبر الإمام الحسين سنة 61 هـ لذلك طلب من عطية العوفي أن يأخذ بيده و يوصله للقبر. (برقعي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت