وهنا يسجل التاريخ أول وجودٍ يهوديٍّ في المدينة المقسة بعد جهادٍ مريرٍ ومعارك طاحنة، دخل يوشع بن نون ومن معه فلسطين بعد أكثر من ألفي عامٍ على وجودها[حيث استولى على أريحا وقتل جميع سكانها ودمرها وقومه عن آخرها، وكان ذلك في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وتذكر التوراة الموجودة الآن أن غزوهم لفلسطين صادف مقاومةً باسلةً عنيفةً من الكنعانيين الفلسطينيين أصحاب البلاد، ويذكر سفر صموئيل الأول ما يلي: [واصطف الفلسطينيون للقاء إسرائيل واشتبكت الحرب فانكسر إسرائيل أمام الفلسطينيين] [1] .... [هربوا كل واحدٍ إلى خيمته وكانت الضربة عظيمةً جدًا وسقط من إسرائيل ثلاثون ألف رجل] [2] .
وعاش اليهود لأول مرةٍ في التاريخ في فلسطين أو بلاد كنعان بعدما قهر يوشع بن نون الجبابرة من العرب وأسس أول الممالك اليهودية [وما مضت إلا فترةٌ محدودةٌ حتى أخذت قشرة الدين تتقلص وحتى أخذت لطبيعة الرديئة تبرز وغرائز السوء تطفح، وإذا اليهود يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ويملئون دولتهم مظالم فماذا يفعل الله تعالى بهم؟ .. سلَّط عليهم"بختنصر"البابلي فهزم دولتهم وهدم هيكلهم وساق عشرات الألوف من الشباب اليهوديِّ أسرى أمامه إلى"بابل"وفي الأسر البابلي أُذيقوا أشد ألوان ... العذاب] [3] ، وقد حدد الدكتور على وافي رحمه الله تعالى زمن هذه الغارة البابلية عليهم فذكر ما يلي: [وفي سنتي 596، 587 قبل الميلاد أغار بختنصر ملك بابل على فلسطين فأزال ملك بني إسرائيل وأسر منهم عددًا كبيرًا أجلاهم إلى بابل ومن ثم اشتهر ذلك في التاريخ باسم نفي بابل حيث ظلوا في الأسر زهاء خمسين عامًا] [4] .
ثم أتت الرياح بما يشتهي اليهود حيث [عفا الله عنهم ويسر لهم حاكمًا ردهم مرةً أخرى إلى بلادهم .. فهل عادوا ليرعووا ويعدلوا ويصلحوا؟ .. لا فسرعان ما عادت إليهم طباعهم السوء فما هي إلا جولةً أخرى وانقض عليهم الرومان وأمر القائد الروماني"تيتوس"بتدمير الهيكل فدُمِّر الهيكل مرةً أخرى] [5] .
(1) - (سفر صموئيل الأول 4/ 2) .
(2) - (سفر صموئيل الأول 4/ 10) .
(3) - (المسلمون واسترداد بيت المقدس صـ 11"سابق".
(4) - (د/على عبد الواحد وافي /الأسفار المقدسة في الديانات السابقة للإسلام ص 8.
(5) - (خطب الشيخ محمد الغزالي جـ 1 صـ 71) .