وظهر نور الإسلام وأشرق فجره فوق هذه البقعة المباركة من أرض الدنيا وضمت القدس إلى الحرمين الشريفين كي تكون من الناحية العملية حرمًا ثالثًا له قدسيته ومكانته.
لكنه نظرًا لإنشغال الساسة بعد ذلك وولاة الأمور بشئون الدنيا وانغماسهم في الملذات والشهوات واختلافهم على المناصب والرياسات فقد هجم الصليبيون في ليلٍ أسود على البيت المقدس حيث نقموا من"فيينا"إلى"برلين"إلى"القسطنطينية"إلى"الأناضول"إلى"الشام"إلى بيت المقدس، طرائق كثيرة ومراحل وأشواط من السير لم تنته في يومٍ وليلةٍ، فأين تخطيط أولى الأمر لصد هذا العدوان؟ وخصوصًا في الممالك والإمارات التي كانت متاخمة وموازية لبيت المقدس؟
لابد أنهم كانوا مشغولين بأشياء أخرى غير الحفاظ على هذه المقدسات وإلا؛ فكيف ضاعت؟!
لقد استمر بيت المقدس في حوزة المسلمين من الفتح العمري إلى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة [لما كان ضحى يوم الجمعة لسبعٍ بقين من شعبان أخذت الفرنجة - لعنهم الله - بيت المقدس - شرفه الله - وكانوا في ألف ألف مقاتل وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين وجاسوا خلال الديار وتبروا ما علوا تتبيرًا] [1] لدرجة أنهم حاصروا بيت المقدس نيفًا وأربعين يومًا واستمروا في عملية قتل المسلمين في القدس الشريف أسبوعًا [منهم جماعةٌ كثيرةٌ من أئمة المسلمين وسادتهم وزهادهم وحصروا الباقين، وكانوا يجبرون المسلمين على إلقاء أنفسهم من أعالي البيوت، وأخذوا أطنان الذهب والفضة والدراهم والدنانير ثم وضعت الصلبان على بيت المقدس وأدخلت فيه الخنازير وذهب الناس على وجوههم ستغيثين إلى العراق وتباكى المسلمون في كل مكانٍ لهذا الحدث وظن اليائسون أن لا عودة لبيت المقدس أبدًا إلى حظيرة المسلمين] [2] .
(1) - الإمام ابن كثير / البداية والنهاية جـ 12 صـ 650.
(2) - الشيخ علي القرني / محاضرة على الطريق جـ 2.