لم يدرك اليهود قيمة الذات العلية وأن الله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [1] وظنوا أنه من الممكن رؤية الله تعالى بل إنهم أوقفوا إيمانهم برب موسى عليه السلام على رؤيته والنظر إليه بالعين المجردة، قال الله تعالى: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [2] ، وقال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [3] ، ولم تطمئن نفوسهم وتثق في ربها وهم لا يستطيعون رؤيته فجاء طلبهم إلى نبيهم موسى عليه السلام عجيبًا لما مروا على قومٍ يعبدون الأصنام، قال الله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [4] .
إن اليهود يريدون أن يعبدوا إلهًا محسوسًا غير غائبٍ عن تصوراتهم، وهذا التصور أضحى ركيزةً من عقائدهم حسبما يصوره لهم تلمودهم.
فقد ذكر العلامة ابن حزمٍ رحمه الله تعالى في كتابه"الفصل في الملل والأهواء والنحل": [أن سفرًا من أسفار التلمود يسمى"سفر توما"قد وصف جبهة خالقهم وعظم مساحتها فقال: إنها من أعلاها إلى أنفه خمسة آلاف ذراع، وأنه قد جاء في سفرٍ آخر من أسفار هذا الكتاب يقال له"سادرناشيم": إن في رأس خالقهم تاجًا فيه ألف قنطارٍ من ذهب وفي إصبعه خاتمٌ تضئ منه الشمس والكواكب وأن الملك الذي يخدم ذلك التاج اسمه"صندلفون"] [5] .
وإن العقيدة المحرفة هي التي سولت للنفسية اليهودية والعقلية اليهودية كذلك أن تنحرف في تصورها عن الإله بهذه الصورة التي لم ترع الله تعالى حق رعايته ولم تحفظ له كل كمال يليق بذاته المقدسة حيث جسموا الإله في صورة محسوسة، وسبحان الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [6] .
(1) - الأنعام:103.
(2) - النساء: من الآية 153.
(3) - البقرة:55.
(4) - الأعراف:138.
(5) - ابن حزم/ الفصل في الملل والأهواء والنحل جـ 1 صـ 163.
(6) - الشورى: من الآية 11.