الحمد لله وليُّ الصالحين وناصر المؤمنين وقاصم الجبارين.
وأشهد أن لا إله إلا الله خالق الخلق ومالك الملك وصاحب الأمر {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [1] .
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله جاهد في الله حق جهاده فنصره الله تعالى ومكن لدينه في الأرض وجعل أمته خير أمةٍ أُخرجت للناس.
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وعلى كل من بهم اقتدى فاهتدى إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيم.
وبعد:
فإنه في عصر ظهور الإسلام كانت مدينة القدس معروفةً عند العرب باسم"بيت المقدس"، مع أن اسمها الذي كانت تعرف به عند أهلها وعند الرومان المستعمرين هو"ايليا كابتولينا"، وهو الاسم الذي أطلقه عليها الرومان، ويؤكد هذا أن العهد الذي أبرمه مع أهلها عمر بن الخطاب يوم فتحها الله تعالى على المسلمين صلحًا ذكر فيه هذا الاسم فقد جاء في نص هذا العهد ما يأتي:
"هذا ما أعطى عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل"إيلياء"من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم .... الخ".
وإن تسمية العرب لها بهذا الاسم الكريم"بيت المقدس"يعني أن لها عندهم منزلةً خاصةً ومكانةً رفيعةً تقترن بالقدسية والطهر والبركة والإحترام والتبجيل، ولما ظهر الإسلام ونزل القرآن الكريم وتم اختيار الله لهذه المدينة لتكون منتهى رحلة الإسراء ومبتدأ رحلة المعراج وإحدى المحطات المباركة لتكريم سيدنا محمدٍ- صلى الله عليه وسلم -، لما حدث ذلك كله تحددت ملامح هذه القدسية وتأكدت معالم تلك المكانة واستقرت فيها وحولها معاني الطهر والبركة.
ولعل من آثار ذلك أن المسلمين كانوا حريصين على دخول دخل هذه المدينة المقدسة سلمًا دون قتالٍ كي لا تراق دماءٌ على أرضها المباركة أسوةً بما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أم القرى
(1) - يس:82.