واقترب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من سور المدينة المقدسة فوجد النصارى في استقباله خارجها وعلى رأسهم البطريرك"صفرونيوس"فلما قدم موكبه تنحى في ناحية وبكى ويتأثر الفاروق ويقبل عليه[ليطيب خاطره ويواسيه قائلًا: لا تحزن هوِّن عليك فالدنيا دواليك يومٌ لك ويومٌ عليك. فقال"صفرونيوس": أظننتني لضياع الملك بكيت؟ والله ما بكيت لهذا! وإنما بكيت أيقنت أن دولتكم على الدهر باقية ترقى ولا تنقطع فدولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة وكنت حسبتها دولة فاتحين تمر ثم تنقرض مع السنين.
وخطب عمر في الجموع الحاشدة مستهلًا خطبته بقوله:
يا أهل"إيلياء"لكم مالنا وعليكم ما علينا. ثم دعاه البطريرك لتفقد كنيسة القمر المقدس"كنيسة القيامة"فلبى دعوته أدركته الصلاة وهو فيها فتلفت البطريرك وقال له: أين أصلى؟ فقال: صلِّ مكانك، فقال: ما كان لعمرٍ أن يصلي في كنيسة القيامة فيأتي المسلمون من بعدي ويقولون هنا صلى عمر ويبنون عليه مسجدًا وابتعد عنها رمية حجرٍ وفرش عباءته وصلى وجاء المسلمون من بعده وبنوا على مصلاه مسجدًا وهو قائمٌ على رمية حجر من كنسية القيامة إلى يومنا هذا] [1] .
ويتضح مما سبق عمق المعنى في التسامح الديني الذي أبداه حاكم المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الذي يعبر بداهةً عن التسامح الديني في الإسلام ولذلك [أرسل بطريرك القدس"صفرونيوس"رسالةً إلى زميله بطريرك القسطنطينية يقول له فيها إنه لم يصبنا من المسلمين أقل أذىً أو عنفٍ أو إهانة] [2] .
[ثم سأل عمر البطريرك"صفرونيوس"عن موضع المسجد الأقصى فدله على عمود كرسي داوود وكرسي سليمان حيث كان المسجد الأقصى فوجده مغمورًا بالقمامة ففرش عمر عباءته وأخذ ينزح القمامة فيها من مكان المسجد ويلقيه في الأودية واقتدى به قادة المسلمين ورؤساء الجند حتى طهروه تطهيرًا ثم بنى عليه مسجدًا] [3] .
(1) - (المسجد الأقصى ومعركة النصر والفتح 49"سابق") .
(2) - (المسجد الأقصى - وزارة الأوقاف صـ 21"سابق") .
(3) - المسجد الأقصى ومعركة النصر والفتح 150"سابق".