والحديث الشريف: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) .
والعرب في جاهليتهم، في صحرائهم، كانوا أصفى فطرة وسلوكًا، إذا قيسوا بشعوب العالم المعاصرين لهم.
أما عرب الشام؛ فقد كانوا مستعبَدين للرومان، وعرب العراق كانوا مستعبدين لكسرى، عرب هاتين الدولتين أبناء عمومة، كانوا في اليمن حول سد مأرب، فلما تهدم، قامت هجرات إلى الشمال؛ سكنت خزاعة مكة، والأوس والخزرج سكنا يثرب، وكندة سكنت نجدًا، وطيئ سكنت حائل، والأزد انقسمت فرقتين؛ فرقة سكنت عمان، وأخرى سكنت عسير، والغساسنة في الشام، والمناذرة في العراق.
لم يصل وعي الغساسنة والمناذرة، إلى أن يرتفع فوق الخصومات، وأن يلتئم شملهما ويجتمعا ضد عدوهما، بل كان كل منهما دريئة لمن يستعمره، وكان الفرس والروم قد اقتسما العالم القديم، وظلا في حروب دائمة، وسادت هذه الحروب العرب، فكان العرب تتفانى لحساب الأجنبي.
سمي الغساسنة بهذا الاسم؛ لأنهم وردوا ماء لغسان فسموا باسمه، وتوجهوا إلى الشام فسكنوا المزة في أطراف دمشق، وأشهر ملوكهم الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان أعرج، وكان قد قتل والد المنذر بن ماء السماء، ملك العراق، فسار المنذر بجيشه ليثأر لأبيه، وكانت معركة حليمة أو، يوم حليمة، وضرب به المثل فقيل: (ما يوم حليمة بسر)
يوم حليمة [1] :
سار المنذر حتى نزل بمرج حليمة، وسار إليه الحارث أيضًا، ثم اشتبكوا في القتال، ومكثت الحرب بينهم أيامًا ينتصف بعضهم من بعض.
ثم شد لبيد بن عمرو الغساني على المنذر فضربه ضربة ألقاه عن فرسه، وانهزم أصحاب المنذر من كل وجه، ونزل لبيد فاحتز رأس المنذر، وأقبل به إلى الحارث فألقاه بين يديه.
أشهر ملوكهم: النعمان بن المنذر، وكان جبارًا يرعب الحجارة. كان هذا فعله في قومه العرب، ولنعرف موقفه من سادته الفرس يوم ذي قار.
غضب كسرى على النعمان، فطلبه، فحمل سلاحه وما قوي عليه، ثم أقبل حتى نزل في ذي قار، في بني شيبان سرًا، فلقي هانئ بن مسعود الشيباني، وكان سيدًا منيعًا فاستجار به فأجاره.
استودع النعمان أهله بني شيبان، ومضى إلى كسرى، فقتله تحت أرجل الفيلة، وبعث يطلب ما
(1) أيام العرب في الجاهلية محمد أحمد جاد المولى. . ط دار الفكر ص 54