تمهيد:
مر النبي صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب وكان في المجد يقول: اللهم إني صابر، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله: ماذا قلت؟ قال: قلت: اللهم إني صابر: فقال النبي صلى الله عليه وسلم (سألت الله الابتلاء فاسأله العافية) .
الصبر: حبس النفس على المكاره.
ومنزلته من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وقد تميز الصبر أن معه البشارة من الله تعالى للصابرين فقال جل شأنه (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وألئك هم المهتدون) البقرة: 156
في المقاييس الإنسانية؛ أن البشارة إنما تكون بسبب كسب مادي كالربح في التجارة أو معنوي كالنجاح، أما في المقاييس الإيمانية فالأمر يختلف، فالبشارة في الآية الكريمة (فبشر الصابرين) قد جاءت عن مصيبة، أو عن مصائب ومنها الموت، فالصابر، هو الذي إذا أصابته مصيبة رجَّع بقوله:
(إنا لله وإنا إليه راجعون) . والمعلوم أن ثواب البشارة الإنسانية، إما مالٌ عينًا، وإما ثناء على تلك البشارة. أما الثواب الإيماني فمختلف، (أولئك) أي: الصابرون، عليهم صلوات من ربهم ورحمة، والصلاة من الله تعالى للعبد هداية وحفظ و تكريم، فالثواب دنيوي وأخروي؛ دنيوي بالحفظ والرعاية والهداية، وأخروي، وهو لازم معنى الآية وما يستنتج منها وهو الجنة.
قال ابن سعدي يرحمه الله في تفسيره هذه الآية الكريمة (. . وأما من وفقه الله للصبر عند وجود لهذه المصائب، حبس نفسه عن التسخط قولًا وفعلًا، واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره، أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقًا لحصول ما هو خير وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى(وبشر الصابرين) أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب، فالصابرون، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة والمنحة الجسيمة.
ثم وصفهم بقوله (الذين إذا أصابتهم مصيبة) وهي كل ما يؤلم القلب، أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره من الخوف والجوع ونقص من الأموال الأنفس والثمرات،
(قالوا إنا لله) أي: مملوكون لله، ليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأمواله، بل من كمال عبودية العبد، علمه بأن وقوع البلية من المالك العليم الذي هو أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره لما هو خير