فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 146

نظر هرقل إلى الأسير المسلم، فرأى دموعه تسيل على خديه، وقد بللت لحيته، وسالت إلى نحره، ووصلت إلى صدره، فقال هرقل في نفسه: وصلت إلى ما أردت، إن هؤلاء الأسرى عندي، كلهم سيفتنون عن دينهم، سيرتدون عن الإسلام، وسيظهر الإسلام في نظر النصرانية عندي بمظهر الهزيل، ستقوى المسيحية في نفوس بطارقتي، ويضعف الإسلام في المدينة وما حولها، بل سيضعف في الجزيرة العربية كلها، وفي بلدان العالم التي ستسمع بهذا الخبر السار، خبر ارتداد المسلمين عن دينهم، ومفارقتهم دين نبيهم.

تقدم هرقل فساله: لماذا تبكي؟ فقال: أبكي؛ لأنني علمت أن لي نفسًا واحدة، وقد تمنيت أن تكون لي مئة نفس تُقتل كلها في سبيل الله، فقبل رأسه، وأطلق له جميع الأسرى، ولما وصل إلى المدينة المنورة وسمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عبد الله ما كان، قام فقبل رأسه، وقام من في المجلس وقبلوا رأسه.

وكثير من المسلمين اليوم، في كثير من البلدان في امتحان وابتلاء عظيمين، وقد تكون الفتن مصدر خير عظيم كما قال أبو تمام:

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت

ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

فالمحنة قد تعود على صاحبها بالخير العظيم، مثل ذلك الذي كان يعزف على آلة اللهو (العود) فأخذ الله بصره، فرجع إلى الله تعالى فتاب وأناب، وأحيا الله قلبه، فحفظ القرآن الكريم، وصار شيخًا يتتلمذ على يديه الكثير.

وما نراه اليوم، من فتنة المسلمين عن دينهم في بعض البلدان واستيقاظ الشعور الإسلامي بوجوب حرية العبادة والحياة الكريمة في ظلال الإسلام، وما يتبع ذلك من انتفاضات تطيح بالظلم والظالمين، وما ذلك إلا لعمق هذه الصفة في نفوس أصحابها. إن تعميق صفة الإيمان في نفس صاحبه يدفعه إلى التوبة بعد كل ذنب، والله يقبل منه، والتوبة تقلب الموازين في الحياة، فبعد أن يكون المسلم في طريق الشر، يعود إلى طريق الخير، وتعميق الصفة في نفس المسلم تورثه السعادة في الحياة.

إن القانون ينظر إلى السلوك الظاهر، فيحاسب عليه، إن تخطاه أحد عاقبه، وربما يخالف الإنسان القانون دون أن يراه أحد، من سرقة، وشرب المسكر، أو الإضرار بالآخرين لسبب ما، فإذا لم يضبط المخالف نجا من العقاب في غفلة القانون عنه، وربما يحتاج العقاب إلى شاهد يشهد على الجريمة. . . أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت