خالد بن الوليد رضي الله عنه، ولقي الصحابة من مسيلمة الأهوال وقتل من حفاظ القرآن الكثير، حتى خيف من ضياع القرآن بفقد حفاظه، وهذا ما نبه الصديق رضي الله عنه إلى جمع القرآن الكريم، وفي أثناء المعركة نادى خالد بجيشه كلمة واحدة، قلبت ميزان القوى لصالح المسلمين إذ صاح بجيشه: (تميزوا) فانضم المهاجرون إلى المهاجرين، والأنصار إلى الأنصار، وقاتل كل قبيل تحت رايته، حتى إذا انكشفت راية عرف أصحابها، مما ألجأ مسيلمة الكذاب إلى الحديقة، وهي التي عرفت فيما بعد بحديقة الموت، وأغلق الباب وفي داخل الحديقة المقاتلون. وهم عشرة آلاف، ولم يستطع المسلمون أن يتسلقوا السور، فتقدم الأسد الهصور البراء بن مالك رضي الله عنه وقد قتل مئة مبارزة غير من قتلهم في المعركة، فقال للصحابة: احملوني على الترس، على رؤوس الرماح، واقذفوني عليهم من فوق السور، ففعلوا، ولنتصور هذا المشهد:
عشرة آلاف، يهبط عليهم شيء من السماء، لا يدرون للوهلة الأولى ما هو؟ فيتفرقون عنه، ولما ارتدت نفوسهم إليهم، ورأوه واحدًا هجموا عليه، إذ كان قد ألقى عليهم نفسه ليفتح الباب، وما زال يضرب فيهم ويضربونه، وهو يتقدم نحو الباب حتى وصل إلى السلسلة فضربها بالسيف حتى قطعها، فتدفق المسلمون إلى الحديقة، وشاهدوا مسيلمة الكذاب يرغي ويزبد، وقد نفخ الشيطان في أوداجه واحمر وجهه، وكان البراء بين الموت والحياة، بل إلى الموت أقرب، وظل خالد يعود البراء شهرًا حتى أبلَّ من جراحه.
تقدم البراء ليكون فداء للمسلمين، ليموت هو، ولتحيا عقيدته الإسلامية، هذا مثل واحد عن الغيرية. وما أكثر هذه النماذج في مجتمعنا الإسلامي في كل مجال من مجالات الحياة.
ولا تظهر هذه الصفة بشكل جلي واضح إلا في موضع الامتحان والاختبار ومواقف الخطر، فكل أحد يدعي صفة الثبات على المبدأ، ولكنه إذا تعرض للفتنة في الدين، لسبب من الأسباب، فربما يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
في تاريخنا الإسلامي المجيد، أمثلة يصعب حصرها على عمق العقيدة في نفس صاحبها، أقدم على ذلك مثالًا واحدًا:
أراد هرقل أن ينال من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فأوقد نارًا حامية تحت قِدر عظيمة، جعلت تفور وتغلي، وكأنها فهمت مراد هرقل؛ إما أن يرتد الأسير المسلم عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه عن الإسلام وإما أن تتلقفه هذه القدر ليصبح كالهلام، وقد ساخ لحمه بعد أن انسلخ عن عظمه.