فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 146

يقوم المحامي بالدفاع عنه، وقد يتحول الحق إلى باطل، والباطل إلى حق في نظر القضاء لاعتبارات متعددة.

أما الأخلاق الإسلامية، فشأنها مختلف عن القانون، بأنها تراعي الظاهر من السلوك، والتصرفات والأقوال والأفعال، وتتعدى ذلك كله إلى النيات والبواعث والمقاصد، فيكون فعل الخير؛ كالجود ومساعدة الآخرين والتبرع بالمال أو بالدم، وقول الحق لإنصاف مظلوم لجلب خير، أو دفع شر. . إن كل هذه السلوكيات في الإسلام، لا تكون لأجل المنفعة أو الرياء والسمعة أو الأمل بمكافأة مادية أو معنوية، وإنما تكون بدافع النية الخالصة لله تعالى. فالنية مناط الحكم في الأعمال كلها. عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري ومسلم. وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله: يدخل في حديث الأعمال بالنيات ثلث العلم، وقال جماعة من العلماء:

هذا الحديث ثلث الإسلام) [1] .

والنية تحول العادة إلى عبادة، فالمسلم يشترك مع غيره في السلوك اليومي بتحقيق متطلبات الجسد كالطعام والشراب والدراسة والتعليم، فإذا نوى الطالب، أنه يتعلم لله؛ لينشر العلم، ويفيد به الآخرين، إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، رضا بما يصنع. . . . فالنية أساس الفعل، فقد يطلب أحدهم العلم للدنيا، ليصبح ثريًا، وآخر يطلب العلم لينصر الحق، وكلاهما يأتيه رزقه، فواحد يثاب، والآخر لا يثاب. ومدار الحكم على ذلك هي النية.

إن الله تعالى يثيب على فعل الخير بالحفظ والرعاية والعناية وتفريج الكروب والسعة في الرزق، والمسلم لا يفعل الخير فلسفة بحب الخير منقطعًا عن فكرة (الثواب) كما رأينا لدى بعض الفلاسفة الذين قالوا: حب الخير للخير لا حبًا بثواب ولا خوفًا من عقاب، وهذه فلسفة جوفاء، بل هي سفسطة لا تقوم على أساس، وقد تأثر بعض الشعراء العرب الذين تفلسفوا تقليدًا، فلسفة عقلية بسبب عدم رسوخ

(1) الأربعين حديثًا النووية ط دار الفكر ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت