فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 146

وللإسلام خصائص تميز بها عن أخلاقيات الديانتين اليهودية والنصرانية، وعن باقي الديانات الوضعية، جاء الإسلام بالوسطية، وهي فضيلة بين رذيلتين؛ بين تطرف المادة اليهودية، حتى إنهم عبدوا المال، وعبادة المال لم تعرف في شعوب الأرض إلا عند اليهود، واحتقروا الروح والقيم والأخلاق الفاضلة، كالصدق والوفاء بالعهد والمحافظة على الشرف، لقد ضرب اليهود هذه القيم وغيرها من القيم السامية عُرض الحائط، فإن تكلموا كذبوا، وإن عاهدوا غدروا.

أما النصرانية؛ فإنها أوجدت الرهبانية بصفتها رد فعل على المادية اليهودية، فالرهبنة لم تتعلق بعبادة المال، وإنما تركز على تطهير الجسد، لترتقي الروح بالأخلاق كما يزعمون، ولذلك يحرم على الراهب والراهبة الزواج وهذا تنكر لمتطلبات الجسد الفطرية، فالزواج تلبية حاجات الجسد الجسمية الغريزية عن طريق مشروع. لقد وقع الرهبان في مفارقة خطيرة؛ حيث إنهم في الظاهر لا يتزوجون، ولكنهم في حقيقة الأمر يصرفون هذه الطاقة عن طريق لا يدرى كنهها.

جاء الإسلام بالوسطية، فأعطى الجسم حقه من المتطلبات الفطرية الغريزية، كأكل الطيبات الحلال؛ لقد حرم الإسلام كل ما هو فاسد، وأحل كل ما هو طيب.

جاء الإسلام بالوسطية في كل شيء، في معاملة الإنسان ربه و مع نفسه، وفي معاملته من الناس.

حرم الإسلام التطرف حتى في العبادة، فلا غلو في الدين، كما في خبر ثلاثة النفر الذين هجروا الراحة فقال واحد منهم: أنا أصلي ولا أنام، وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء.

فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر هذا السلوك، لأنه مخالف للفطرة فقال: (أنا أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .

فالزِّواج سنة الأنبياء، فإذا اعتقدت بعض المذاهب الفلسفية إمكانية الاستغناء عن الزواج كالرهبان وأمثالهم فهذا تطرف، والتطرف مرض نفسي، بل ربما غالى بعض أصحاب هذه المذاهب في ذلك، كالفكرة التي تبناها أبو العلاء المعري، وسمي شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء إذ أضرب عن الزواج، بل عد الزواج نوعًا من أنواع الجنايات؛ فقد أوصى أن يكتب على قبره:

(هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت