ويعلل الزيلعي الأخذ بهذا الرأي قائلًا:"والقِصاص شُرع حُكمه للزجر، فيجعل كل واحد منهم كالمنفرد به، فيجري القِصاص عليهم جميعًا؛ تحقيقًا لمعنى الإحياء، ولولا ذلك لسُدَّ باب القِصاص وفتح باب التغالب؛ إذ لا يوجد القتل من واحد غالبًا؛ لأنه يقاومه الواحد فلم يقدر عليه فلم يحصل إلا نادرًا، والنادر يشرع فيما يغلب لا فيما يندر" [1] .
أما شيخنا الدكتور محمد بلتاجي [2] ـ يرحمه الله ـ فيقرر:"أن هدف عمرَ من تطبيق التشريع كان تحقيق مصلحة الناس في عهده بما يتمشى مع النصوص، وقتل الجماعة بالواحد طريقٌ من الطرق التي اتبعها للوصول إلى هذا الهدف، فإذا كان النص في القرآن يتسع للقِصاص من كل نفس انطبق عليها وصف القتل، سواء انفردت به أم اشتركت فيه، بالنظر إلى فكرة التعدي، وإذا كان التشريع الإسلامي في العقوبات قد راعى هذه الفكرة، وإذا كان هذا محققًا لمصالح الناس العامة ـ فقد كان من حق عمر أن يقتل الجماعة بالواحد" [3] .
وهو هنا ينطلق من أن طبيعة النص تستوعب هذا الحكم؛ وذلك أن النص أوجب الحكم على من يصدق عليه وصف القتل، وهو هنا منطبق تمامًا على الجماعة انطباقه على الفرد؛ فالإسلام ـ في عقوباته ـ لا ينظر إلى وَحدة النفس المقتولة وتعدُّد النفوس القاتلة، أو وَحدة المَزْنِيِّ بها وتعدُّد الزناة، أو وحدة دَنٍّ من دِنَانِ الخمر وتعدُّد الشاربين، وهكذا، وإنما ينظر إلى التعدي والجناية والتلبُّس بالفعل؛ لأن كل مَن سبق في الجماعة اشترك في التحقُّق والتلبُّس بالفعل.
(1) البحر الرائق شرح كنز الدقائق: 8/ 354، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، بدون تاريخ.
(2) هو أستاذنا وأستاذ أساتذتنا الدكتور محمد بلتاجي حسن، فقيه أصولي متعمق، وأستاذ جامعي، ولد بمحافظة كفر الشيخ لأبٍ من علماء الأزهر، هو الشيخ بلتاجي حسن، واستقر بمدينة طنطا بمحافظة الغربية، وتعلم حتى حصل على الدكتوراه في أصول الفقه، وعمل أستاذًا للشريعة في جامعة الإمام بالرياض، وبكلية دار العلوم بالقاهرة، وشغل منصب"عميد كلية دار العلوم"لمدة عشرة أعوام (1986 - 1995 م) ، وهو آخر عميد منتخب في الكلية قبل الثورة، وكانت له هيبة وقوة في الحق، وكان يأخذ طلابه بالعزيمة، توفي عام 2004 م، وله:"منهج عمر بن الخطاب في التشريع"، و"مناهج التشريع في القرن الثاني الهجري"، و"مكانة المرأة"، و"الملكية الفردية"، و"مدخل إلى الدراسات القرآنية"، و"في أحكام الأسرة"، وغيرها.
(3) منهج عمر بن الخطاب في التشريع، دراسة مستوعبة لفقه عمر وتنظيماته: 316 - 317، مكتبة الشباب، 1998 م، وراجع: الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان: 82 - 83، محمد الخضر حسين، ضبط وإعداد: علي الرضا الحسيني، دار الفارابي للمعارف، دبي، الإمارات، الطبعة الأولى، 1426 هـ/ 2005 م.