فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 89

التي جعل الله مناطها استصلاح الخلق بصفة عامة، وأنه لا حاجة وراء هذا إلى علل تطلب خاصة للعبادات في أنفسها إلا على سبيل التعنت والمعاندة والقصد للاعتراض على أصول الشريعة في الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب [1] .

وهذه مقدمة اعتذارية مقبولة تجبر العجز عن إدراك الحكمة أو المقصد من الأحكام العملية التفصيلية، كل حكم على حِدَته، ولكن مقتضى الحكمة الإلهية يوجب أن يكون لكل حكم مقصدٌ من تشريعه، علِمه مَن علِمه، وجهِله مَن جهِله، وربما يفتح الله على المتأخر بالمقصد من الحكم كما لم يفتح على السابق، ولكل مجتهد نصيب، فما أدركنا مقصده من الحكم الجزئي أثبتناه، وما لم نستطع الوصول لمقصده ـ عبر مسالك الكشف عنه المعتبرة ـ فوَّضنا فيه العلم لله، وفي الوقت نفسه لا ننفي أن يكون له مقصده، ويمكن أن ندرجه ضمن المقصد الأكبر، وهو مصلحة الخَلْق والتعبد لله تعالى حتى يفتح الله على من يفتح عليه بإدراك المقصد من تشريع الحكم.

كما ذكر المؤلف أن غرضه من كتابه بيان أن الشريعة تنطوي على معانٍ مستحسنة تقبلها العقول السليمة والفِطر النقية، ودخولها في السياسات الفاضلة السمحة؛ فهو يبين الأسرار والمعاني ووجوه مجيء التشريع على هذا النحو، ومن أمثلة ما قاله:

الفرع الأول: ترتيب الوضوء:

ذكر أن الوجه من ترتيب الوضوء على هذا النحو ـ الوجه واليدان والرأس والرِّجلان ـ لأن أول ما يظهر للاقٍ ممن يلقاه هو وجهه كله، ولا يتمكن من النظر لرأسه إلا بتكلف، والوجه هو الذي يحيَّا ويدعى له بالكرامة ... ثم اليدان بعد ذلك يتلوان الوجه في وقوع البصر عليهما، فأما الرِّجلان فلا يلحقهما البصر إلا بتكلف .... وأما المضمضة والاستنشاق فإنه يبدأ بهما قبل غسل الوجه؛ لأن ما في الفم والأنف من لزوجات الأشياء يحتاج إلى علاج، وتقع به روائح فتغيرهما، فإزالتهما أولى [2] .

الفرع الثاني: تغريب الزاني البكر سنة:

قال:"وأما وجه التغريب للزاني البكر سنة: فقد يحتمل أن يكون ذلك على معنى مفارقة البلد الذي فيه المزني بها، فلا يعاودها، ولا تتوق نفسه إليها باليأس، فكان الاجتماع معها، وكذلك في مفارقة الزانية في بلد الزاني بها."

وقد يجوز تحديد السنة على معنى مرور الفصول الأربعة من الأزمنة على مرتكبي الزنا، فيذوق الغربة في جميع فصولها، لما يذكر من خفة الغربة على صاحبها في بعض الفصول أو شدتها عليه في بعض؛ لتتم العقوبة بهذا المعنى في النفي، والله أعلم" [3] ."

(1) السابق: 33 - 35.

(2) السابق: 62 - 63.

(3) السابق: 579.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت