هذا مثال يبين مدى ما يمكن أن يصل إليه المسلم حين لا يعلم مقصد الحكم أو غاية التصرف، حتى وصل بالبعض الحال إلى أن يقول:"لقي رسولُ الله قومَه"، وهي قالة قد تقدح في إيمان المسلم.
فلما جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وبيَّن لهم مقصد تصرفه، وهو أنه يتألف بالعطايا ـ وهي لعاعة من الدنيا ـ قومًا ليسلِموا، ووكل الأنصار إلى إيمانهم - بكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وطابت نفوسهم، ورضوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قِسمًا وحظا، فضلًا عن أن الطريقة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف تعبر عن منهجية فريدة في التربية.
يقول د. الريسوني معلقًا على ذلك في سياق مقاصدي معبر:"فهؤلاء الأنصار الفضلاء الأخيار حين لم يدركوا مغزى ما فعله رسول الله استاؤوا وتشوشوا، وحين بيَّن لهم صلى الله عليه وسلم مقاصده ومراميه انشرحوا ورضوا واطمأنوا، ولقد كان من الممكن أن يقال لهم: هذا حكم الله ورسوله، فارضَوْا به وسلِّموا تسليمًا، وليس لكم أن تتقدموا ولا أن تتكلموا، وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، ولكن حين يكون معززًا ببيان المقاصد والحِكم، ولا سيما في موارد الاستشكال والالتباس، يكون أصح وأتم، ويكون التصرف اللازم أنسب وأسلم" [1] .
إذًا فمعرفة المقصد من الحِكم أو الغاية من التصرف تصحح المواقف، وتعدل التصورات، وتطمئن النفوس، وتطيب الخواطر، وتقوِّم المسار، وتنزع فتيل الفتنة ـ والفتنة أشد وأكبر من القتل! ـ وبغير معرفة المقصد ووضوحه يَضِلُّ الإنسان، ويقع في مهاوي الهلاك، وأكل لحوم الناس، ويأخذ ما ليس له، ويترك ما هو له، بل يقترف ما قد يقدح في معتقده وإيمانه، فيَضِلُّ ضلالًا بعيدًا.
وهذا يبين لنا أن استحضار المقصد قبل العمل وأثناءه وبعده يُعَدُّ ـ بلا شك ـ معيارًا يقيس مدى صحة العمل من خطئه، ومدى نجاحه من فشله، ومدى ما حققه من إنجاز ونفع، كما أننا يمكن أن نقيم أعمالنا وممارساتنا وتصرفاتنا في ضوء المقصد منها؛ فالمقاصد عمومًا ـ والجزئية منها خصوصًا ـ تضبط السلوك وتقيمه، كما أنها تصححه وتقومه.
وهذه واحدة من أهم الوظائف التي تؤديها المقاصد الجزئية، وهي أننا متى ظهر المقصد واتضح فلا يَضِيرنا بأي الوسائل أقمناه، متى كانت الوسيلة مشروعة، غير عائدة على المقصد بالإبطال.
وهذه الوظيفة أو ذلك الأثر تصدُقُ المقاصدُ فيه على مجالات لا حصر لها، تتجاوز المجال الأصولي والفقهي إلى مجالات العلوم كافة، بل مجالات الحياة جميعًا، وكذلك تصدق وسائلها على المجالات نفسها، وليس الأمر محصورًا في الأصول، أو مقصورًا على الفقه والفتوى فحسب.
(1) مدخل إلى مقاصد الشريعة: 18 - 19.