فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 89

ما تجلبه من خير ونفع، وما تدفعه من فساد وضرر، أن تكون حافزًا إضافيًّا على العمل والصبر على مقتضياته ومتطلباته، ومثل القرآن الكريم كان النبي ينهج هذا النهج، ويبين علل الأحكام ومقاصدها؛ تحبيبًا وترغيبًا في التزام التكاليف الشرعية، والمواظبة عليها، والتحمس لها" [1] ."

إذًا فمعرفة مقصود التكليف تجعل المكلف أكثر حبًّا للعمل، وأرغب في أدائه بإتقان، وأقرب إلى الامتثال الحقيقي المرضي، فلم يشرع الله الأحكام ليعنت عباده، ولكن رحمة بهم، ومصلحة لهم، وتيسيرًا عليهم، وهذا في حد ذاته من مقاصد وضع الشريعة.

المطلب الثالث: سلامة الإتيان بالتكليف وحسن التطبيق والتطمين:

إذا كانت معرفة المكلف للمقاصد تحمله على مزيد من الإتقان والامتثال، وتزيل كلله، وتنشِّطه، فإنها كذلك تعمل على حسن تطبيق التكليف، وتسديد العمل، وتجعله على بصيرة؛ فيأتي المكلف بالتكليف على الوجه المقصود منه.

يقول د. الريسوني:"وكما أن معرفة المقاصد تقوي الرغبة في العمل والمواظبة عليه، فإنها تسدد العمل وتساعد على حسن تطبيقه وسلامته، ومن لا يعرف مقاصد ما يفعل يوشك أن يزلَّ في عمله، ويحرفه عن قصده وحقيقته ... والمكلف عليه أن يجعل قصده وعمله موافقين لقصد الشارع، فمن أين له هذا إذا لم يعرف مقصود الشارع فيما كلف به؟ وكيف نطلب منه أن يوافق شيئًا ويحققه وهو لا يعرفه" [2] .

وهذا كلام محسوس ومشاهد في الواقع، ولا يقتصر على العبادات أو الأوامر والنواهي الشرعية فقط، وإنما ينسحب على الحياة ومناشطها المختلفة جميعًا؛ فلا يؤتى بالعمل على وجهه إلا إذا عرفنا وجهه، ولا نأتي به على الوجه السديد والسليم إلا بعد معرفتنا لغايته ومقصوده ومراده، وإلا أدينا العمل أو التكليف جسدًا بلا روح، وشكلًا بلا مضمون، ونشاطًا بلا أثر ولا فائدة.

بل لا نبالغ إذا قلنا: إن الجهل بمقصود الحكم يجعل المكلفين ـ في أحيان كثيرة ـ يأتون به على عكس مراد الشارع، وقد يؤدي ذلك إلى تعطيل آثارها،"كمن يصومون رمضان، ولكنهم يأكلون في رمضان أكثر مما يأكلون في غير رمضان، ويُرضون شهواتهم في رمضان بما لا يفعلونه خارج رمضان" [3] .

ويضرب لذلك مثلًا آخر بالاستئذان عند دخول البيوت، ومقصوده منع النظر الفجائي الذي قد يقع على ما لا يجوز، أو ما لا يحب الناس أن يرى منهم أو عندهم في حرمات بيوتهم ... ولكن من لا يعرف هذا المقصد أو لا

(1) الفكر المقاصدي: 93 - 94.

(2) الفكر المقاصدي: 95، وراجع حجة الله البالغة: 1/ 8.

(3) الفكر المقاصدي: 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت