الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، ورحمة الله للعالمين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأنصاره: {الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] ، وبعد:
فإن فَهْمَ شريعة الله تعالى لن يتسنى لنا بشكل صحيح وسليم ـ كما هو ـ إلا إذا وقفنا على أسرار أحكامها وغاياتها ومقاصدها؛ فهذا وحده هو الذي يجعلنا نقف على أرض صُلبة في فهم الإسلام وشريعته وأحكامه، كما يمكِّننا من صحة التفاعل مع الواقع والانفعال بالعصر، ولا يجعلنا نعيش في التاريخ بعيدًا عن هموم الواقع ومتطلباته.
ذلك أنه من أجلِ فهم أسرارها ومقاصدها لا بد أن نفهمها في سياقها الاجتماعي والتاريخي والسياسي والفكري، وسوف نلزم بأن نعرف أسباب نزول الآية، أو أسباب ورود الحديث، ونجري النصوص الشرعية الشريفة على سنن كلام العرب ومقتضياته؛ فهذا كله سنلتزم به من أجل تحقيق الفهم المقاصدي للشريعة ونصوصها.
وما أكثر ما يطرح من أفكار ومن أقوال ومن فتاوى، ولكن كثيرًا منه لا يعبر عن روح الإسلام، ومضامين شريعته، بالإضافة إلى أنه غير مشتبك بالواقع ولا منفعل بقضاياه، وإنما يجلب أجوبة لواقعنا وهي لأسئلة عصر غير عصرنا، وقوم غير قومنا، وظروف غير ظروفنا، فيحدث الاعتساف في أقوال الفقهاء، وتنزيل للنصوص على غير مناطاتها، فلا نحن فهمنا النص الشرعي كما هو، ولا فهمنا الواقع كما هو، ولا أحسنَّا تنزيل النصوص على النوازل وفق مقتضيات التنزيل الصحيح، ويعتبر الفهم المقاصدي وإدراك وظائفه مسؤولًا بشكل كبير عن هذه الأزمة.
من أجل هذا ـ وغيره ـ أردنا أن نقوم بهذه الدراسة التي تكونت من فصلين:
الفصل الأول: عن تاريخ المقاصد الجزئية، وفيه ثلاثة مباحث: الأول: عن ظاهرة المقاصد الجزئية ـ أو التقصيد الجزئي إن شئت ـ في الفكر الفقهي، ونعني بذلك: تناول الفهم المقاصدي للأحكام الشرعية منذ نزول الوحي حتى التصنيف المستقل في البحث عن الحِكَم والأسرار والمقاصد، والمبحث الثاني: تناول الفترة التاريخية التي بدأت بالتصنيف المستقل في تقصيد الأحكام، وهي تبدأ بالحكيم الترمذي، الذي يعتبر ـ حتى الآن ـ أولَ من أفرد هذه الفكرة بالتصنيف، والمبحث الثالث: كان عن نتائج مستخلصة من هذا التأريخ، وهي نتائجُ فكرية إصلاحية دعوية شاملة تبين ـ من خلال هذا التأريخ على مر العصور ـ مدى ارتباط فكرة التقصيد واستلهام الفكر المقاصدي في عصور النهضة وإرادة التجديد والمقاومة ورد الشبهات والحفاظ على الهوية الإسلامية.
وضربنا في هذا الفصل أمثلة تطبيقية تبرهن على هذا التأريخ من ناحية، وتضع أيدينا على كيفية التعامل مع النصوص الشرعية منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، ومنهجية فهمها في ضوء تقصيد الأحكام من ناحية أخرى.
والفصل الثاني: عن وظائف وفوائد تقصيد الأحكام الجزئية، وانفصل هو الآخر إلى مبحثين: الأول: وظائف تربوية لمعرفة مقاصد الأحكام الجزئية، والمبحث الثاني: وظائف دعوية.