بعد هذا التطواف التاريخي المنتقى مع رحلة التقصيد الجزئي عبر مرحلتيها: مرحلة الحديث الفقهي المتناثر والمبثوث في كتب الفقه، ومرحلة التأليف المستقل الذي أعطي فيه الحديث عن الحكم والمقاصد الجزئية عناية خاصة ـ وقفت على عدد من الملاحظات والحقائق المهمة يحسن إثباتها وتدوينها في هذا السياق:
أولًا: أننا اقتصرنا فيه على التأليف المستقل بعد المتناثر؛ ولهذا لم نورد أبا حامد الغزالي مع أن له جهودًا لا تنكر في تتبع الأسرار والحكم والمحاسن في كتابه العظيم"إحياء علوم الدين"، ولعلنا نرجع إليه في الحديث عن مسألة من المسائل، أو رأي من الآراء.
وكذلك اقتصر حديثنا على التقصيد الجزئي فقط، وليس التقصيد الخاص أو الكلي؛ ولهذا لم نورد الشاطبي على ما له من فضل وريادة في مجال المقاصد عمومًا، ولا ابن عاشور على ما له من سبق في حديثه عن المقاصد الخاصة، ولا أبا الحسن العامري في كتابه:"الإعلام بمناقب الإسلام"؛ لكونه ينزع إلى الاستنتاجات العامة والكليات التي كان له السبق في ذكر ضرورياتها الخمس، وتنبيهه على منبع استنباطها، وهو العقوبات [1] ، وقد قال عنه أستاذنا الدكتور أحمد الريسوني:"ويبدو لي أن العامريَّ وأمثاله من المتكلمين والمتفلسفين قد أسهموا في دفع البحث المقاصدي نحو مرحلة التنظير والتقعيد والتماس المقاصد الكلية" [2] .
ثانيًا: المصنفات التي تناولناها في المبحث الثاني كلها تنحو منحًى متقاربًا؛ حيث تتناول النظر في الأحكام من حيث الحِكم والأسرار والمعاني والمحاسن والآثار، والمقاصد أيضًا، دون تمييز بين هذه المصطلحات جميعًا، فهي تحتاج إلى تحرير وتفرقة، وإذا كان فصل هذه الأمور نظريًّا سهلًا، فإن التطبيق العملي على فصلها تأصيليًّا من الصعوبة بمكان.
وليس معنى هذا أن كل ما جاء في هذه المصنفات بعيد ـ كل البعد ـ عن مجال التقصيد الجزئي بمعناه في هذه الدراسة، بل إننا لا نعدم حِكمًا وأسرارًا يمكن أن نعتبرها مقاصد جزئية ـ كما بينا سابقًا ـ بالإضافة إلى أن النظر في هذه الآثار والمحاسن والحكم ـ إن لم تصلح مقاصد جزئية ـ يفيدنا كثيرًا في تلمس المقصد الجزئي للحكم الشرعي الذي يؤثر فيه، وأحيانًا يدور معه.
(1) راجع الإعلام بمناقب الإسلام: 125، لأبي الحسن محمد بن يوسف العامري، تحقيق ودراسة د. أحمد عبدالحميد غراب، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1387 هـ ـ 1967 م، وراجع منه على وجه الخصوص الفصل السادس المتعلق بحكم العبادات الإسلامية ومكارمها، وتميزها عن مثيلاتها في الديانات الأخرى.
(2) البحث في مقاصد الشريعة نشأته وتطوره ومستقبله: 195 - 196، ضمن كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية دراسات في قضايا المنهج ومجالات التطبيق، تحرير د. محمد سليم العوا، وتقديم الشيخ أحمد زكي يماني، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، لندن، الطبعة الأولى، 2006 م.