فتصرُّف عمرَ والصحابة والتابعين وأئمة الفقهاء هنا مبني على مراعاة المقصد، الذي هو حفظ المُهَج والأرواح، وتحقيق الردع وإرساء الأمن في المجتمع، رغم ما يبدو ظاهريًّا من خروج هذا الاختيار على مقتضى العدل والمساواة في قتل الجماعة بالواحد، وتشديد الشارع على حرمة النفس، غير أنه بالنظر إلى مآلات عدم الأخذ بهذا الاختيار من تهديد أمن المجتمعات، ووضعها في حالة من الرعب والفزع عبر التوسع في التقتيل وإزهاق الأرواح من خلال تذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة، فيُشرك مَن يريد قتل غيره مجموعةً معه لينجُوا جميعًا من القِصاص، بينما لو علم أنه سيقتص منه حتى لو كان مع جماعة يقتل معها قِصاصًا، فسوف يفكر ألف مرة قبل الإقدام على هذا، إذا نظرنا إلى كل هذه المآلات سرعان ما يتبدد هذا التخوف الظاهري، ويتضح لنا وجوب الأخذ بهذا الاختيار تحقيقًا لمقصد الشرع، ورعاية لمصالح الناس، وحفظًا لأمن المجتمعات.
من المعروف عند العرب أن الإبل تتمتع بقدرة كبيرة على المشي، وتكتفي بنفسها، فتختزن الماء في جوفها، ولا يخاف عليها من الذئاب وغيرها؛ ولهذا حين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإبل حين تضل عن صاحبها، غضِب على السائل، ونهى أن يتعرض لها أحدٌ؛ فعن زيد بن خالد الجهني أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة، فقال: (( اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثم عرِّفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ) )، قال: فضالَّةُ الغنَم يا رسول الله؟ قال: (( هي لك، أو لأخيك، أو للذئب ) )، قال: فضالَّةُ الإبل؟ قال: (( ما لك ولها؟! معها سقاؤها وحذاؤها، ترِدُ الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ) ) [1] .
قال الزرقاني [2] :"فالمراد النهي عن التعرض لها؛ لأن الأخذ إنما هو للحفظ على صاحبها، إما بحفظ العين أو بحفظ القيمة، وهي لا تحتاج إلى حفظ؛ لأنها محفوظة بما خلَق الله فيها من القوة والمنعة، وما يسَّر لها من الأكل والشرب" [3] .
وظل الأمر هكذا في عهد النبوة، وعهد أبي بكر، وعهد عمر، لا يمسها أحد، حتى جاء زمن عثمان ـ رضي الله عنهم ـ فرأى رأيًا غير ما كان عليه في العهود السابقة عليه.
عن الإمام مالك: أنه سمع ابن شهاب يقول: كانت ضوالُّ الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلًا مؤبلة تناتج لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطيَ ثمنها" [4] ."
(1) موطأ مالك: كتاب الأقضية، باب القضاء في اللقطة رقم: (1444) ص: 757، ورواه البخاري: كتاب: العلم، باب: الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، رقم (89) ، ج 1/ 161، وفي رواية البخاري جاء:"فغضب حتى احمرَّت وجنتاه، أو قال: احمَرَّ وجهه".
(2) هو عبدالباقي بن يوسف بن أحمد الزرقاني (1020 - 1099 هـ = 1611 - 1688 م) : فقيه مالكي، وُلد ومات بمصر، من كتبه: (شرح مختصر سيدي خليل - ط) فقه، أربعة أجزاء، و (شرح العزية - خ) ، ورسالة في (الكلام على إذا - خ) ، الأعلام: 3/ 272.
(3) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك: 4/ 66، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411 هـ، وانظر: عون المعبود: 5/ 86.
(4) موطأ مالك: كتاب الأقضية، باب القضاء في الضوالِّ، رقم (1449) ، ص: 759.