فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 89

وقال ابن الهمام:"قوله: وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزيرِ الحبسَ، فعَل؛ وذلك بأن يرى أن أكثر الضرب في التعزير ـ وهو تسعة وثلاثون ـ لا ينزجر بها، أو هو في شك من انزجاره بها يضم إليه الحبس" [1] .

فتغليظ العقوبة هنا وتنوُّعها توقَّف على المقصد منها، وهو الردع والانزجار، فإن لم يتحقق بالضرب ورأى الإمام أنه ينزجر ويرتدع بالحبس حبسه، فمدار العقوبة هنا على تحقيق المقصد منها.

ولعل أبرز من يهتم بالتقصيد الجزئي من أئمة المذهب الحنفي: الإمام الكاساني [2] ، والإمام السَّرَخْسي.

الفرع الثالث: الإمام الشافعي:

إذا كان المذهب المالكي انطلق للتقصيد من المصالح المرسلة وسد الذرائع، والمذهب الحنفي انطلق إليه من استخدام القياس والتعليل، فإن الإمام الشافعي جمع بين أهل الدراية والرواية؛ وذلك بكثرة رصيده من الآثار، ورصيده من اللغة، والتمكن من روحها بحفظه لأشعار هذيل وغيرها، وما للغة من دور في الكشف عن مقصد النص، وضبط مفاهيم المنطوق والمفهوم ولحن الخطاب وفحوى الخطاب، وكلها قواعدُ الغايةُ منها الكشف عن مقصد الشارع من النص الشرعي، وفيما يلي أمثلة للإمام وبعض فقهاء المذهب تكشف عن هذا الاهتمام، وتبين تفعيل التفكير المقصدي في الاجتهاد والترجيح.

أولًا: فسخ عقد النكاح بالعيب:

وللمقاصد الجزئية هنا دور في تحديد نوعية العيب الذي ينفسخ به عقد النكاح، والمدار على مدى تأثير هذا العيب في تعطيل مقاصد الزواج، التي هي الاستمتاع طبعًا، والنسل شرعًا.

فكل عيب يمنع الجماع عند الشافعي يفسخ به العقد، وكل عيب لا يمنعه فلا يفسخه [3] .

قال الماوردي [4] : والعيوب التي يفسخ بها النكاح تستحق من الجهتين؛ فيستحقها الزوج إذا وُجدت بالزوجة، وهي خمسة عيوب: الجنون، والجذام، والبرص، والقَرْنُ والرَّتْقُ، وتستحقها الزوجة إذا وجَدَتْها بالزوج، وهي خمسة:

(1) شرح فتح القدير: 5/ 350.

(2) هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين الحنفي، مصنف البدائع، الكتاب الجليل، تفقه صاحب البدائع على محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي المنعوت علاء الدين، وقرأ عليه معظم تصانيفه، مثل التحفة في الفقه، وغيرها من كتب الأصول، وزوَّجه شيخه ابنته الفقيهة العالمة، وصنف كتاب البدائع، وهو شرح التحفة، وعرضه على شيخه فازداد فرحًا به، وزوجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقال الفقهاء في عصره: شرح تحفتَه، وزوَّجه ابنتَه، وتوفي سنة 587 هـ، طبقات الحنفية: 244 - 246.

(3) راجع الأم: 5/ 84 - 85، دار المعرفة، بيروت، 1393 هـ.

(4) هو علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي (364 - 450 هـ = 974 - 1058 م) : أقضى قضاة عصره، من أصحاب التصانيف الكثيرة النافعة، ولد في البصرة، وانتقل إلى بغداد، ووليَ القضاء في بلدان كثيرة، نِسبته إلى بيعِ ماءِ الورد، ووفاته ببغداد، من كتبه:"أدب الدنيا والدين - ط"، و"الأحكام السلطانية"، و"الحاوي"في فقه الشافعية، نيف وعشرون مجلدًا، الأعلام: 4/ 327، وطبقات الشافعية الكبرى: 5/ 267 - 285، الإمام تاج الدين بن علي بن عبدالكافي السبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي ود. عبدالفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الثانية، 1413 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت