وفي كتاب القضاء والشهادات قال:"والوجه في هذا الباب ـ يعني القضاء ـ أن الله خلق الناس خلقة نقص، وحرص على اختلاف المنافع، وخص بالعصمة أولياءه ورسله، فأما من عداهم فإنهم لما جبلوا عليه من النقص والحرص يسهَوْن وينسَوْن، ويجحدون الحقوق ويكذبون، ويؤثرون في كثير من الأحوال طاعة السلطان وعبادة الهوى على طاعة الله، فيتظالمون ويتغاصبون، فلو تركوا بها زجوا فهلكوا، فلم يكن بد من قطع الخصام بينهم على أيدي المنصوبين للحكم من الأئمة والقضاة في خلفائهم" [1] .
هكذا ـ كما حدَّد القفال غرضه من الكتاب، وكما ترى ـ يدور حديثه حول محاسن الشريعة وبيان أوجه مناسبات الأحكام للعقول السليمة والفِطر النقية، ويبين الأسرار والحكم، وهو كلام ـ في مجمله ـ يعبِّر عن"مُلَح العلم"، ولا يعبر عن"صُلْب العلم"، كما يعبر الإمام الشاطبي.
وليس معنى هذا أن الكتاب يخلو من مقاصد جزئية، بل إن فيه بعض لمحات ونظرات مقصدية عميقة، ولا سيما فيما سوى العبادات، ومن ذلك: أنه في تأخير جلد الزاني بسبب شدة البرد أو الحر، قصد إقامة الحد بالتأديب لا الإتلاف، وبنى على ذلك أمورًا، واستشهد لها بأدلة، مما يدل على أن له تأثيرًا في توجيه الحكم، ومن ذلك: تأخير الرجم للمرأة الحامل حتى لا يتلف الجنين، وإن كانت مرضعًا أخّر أيضًا حتى تتم رضاعته ويجد من يكفله ويؤمن تلفه، كما أن المحدود يؤدب بما يحمله حاله من أنكال النخيل أو شيء مجموع يورد عليه دفعة واحدة احترازًا من التلف [2] .
ولعل من النافع الإشارة في هذا المقام إلى أن القفال الشاشي الكبير بداية سلسلة مقاصدية ممتدة قد تعبر عن مدرسة كاملة هي المدرسة الخراسانية، تضم الخطابي، والقفال الصغير، والقاضي حسينًا، والبغوي، وإمام الحرمين الجويني، والغزالي [3] ، وهذا مما يحتاج إلى دراسة وتتبع لإبراز الجهود المقاصدية لهذه المدرسة وأثرها في الفقه الشافعي.
(1) السابق: 600، وإن كنا لا نوافق الشيخ على القول بعصمة الأولياء.
(2) السابق: 580.
(3) راجع في طبقات الخراسانيين: المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية: 36 - 37، د. علي جمعة محمد، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، 1424 هـ/ 2004 م، وانظر كتابه: الإمام الشافعي ومدرسته الفقهية، طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1421 هـ= 2000 م.