بل إن هناك تعليلات تخالف العقل والفطرة، ومن ذلك: العلة التي من أجلها جعل الله تعالى الغَيرة للرجال ولم يجعلها للنساء .. ! قال:"إن الله تعالى لم يجعل الغيرة للنساء، إنما تغار المنكرات منهن، فأما المؤمنات فلا، وإنما جعل الله تعالى الغيرة للرجال؛ لأن الله قد أحل تعالى له أربعًا، وما ملكت يمينه، ولم يجعل للمرأة إلا زوجها وحده، فإن بغَتْ معه غيره كانت زانية" [1] .
ومن الأمثلة السابقة ـ وغيرها مما هو مبثوث في تضاعيف الكتاب ـ يتبين لنا أن الكتاب يغلِبُ عليه البحث في العلل العقلية والفلسفية أكثر من العلل التشريعية، حتى في الأمور الفقهية يغلب عليه البحث عن العلة بمعنى السبب، وكذلك عن الحكم والأسرار والمعاني، وهذا كله مما يعين على تلمس المقصد الجزئي الذي يؤثر في الحكم وينضبط به الحكم.
ولا يمنع هذا أن تكون هناك أمثلة أقرب للتقصيد الجزئي منها للتسبيب والتفلسف والأسرار والمعاني، مثل: العلة التي من أجلها لا يجوز أن تتزوج المرأة إلا زوجًا واحدًا، قال:"وتحرم أن تتزوج المرأة أكثر من واحد؛ لأن الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد منسوبًا إليه، والمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو؛ إذ هم المشتركون في نكاحها، وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف" [2] ، ولكن هذه النماذج قليلة جدًّا إذا ما قورنت بالنماذج الأخرى.
موضوع حديثنا مع أبي عبدالله البخاري [3] كتابه:"محاسن الإسلام وشرائع الإسلام"الذي قسمه إلى عدد من الكتب، شمِلت الإيمان، والعبادات، وأحكام الأسرة، والحدود، والجهاد والسير، والمعاملات، والقضاء والشَّهادات.
ومنهجه في بيان المحاسن أن يذكر العبادة أو المعاملة أو غير ذلك، ويبين محاسنها على وجه الإجمال، ثم يبين محاسن الحكم على وجه التفصيل.
الفرع الأول: محاسن الصلاة:
(1) السابق: 2/ 219.
(2) علل الشرائع: 2/ 218.
(3) هو محمد بن عبدالرحمن بن أحمد، أبو عبدالله البخاري، علاء الدين، الملقب بالزاهد: مفسر، من أهل بخارى، كان مفتيًا أصوليًّا عارفًا بعلم الكلام، صنف كتابًا في (تفسير القرآن) ، قيل: أكثر من ألف جزء، وهو من مشايخ صاحب الهداية، توفي ليلة الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة 546 هـ، الأعلام للزركلي: 6/ 191، وراجع محاسن الإسلام وشرائع الإسلام للبخاري: 2، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.