فيقول في حد السرقة مثلًا:"وأما حد السرقة فالحسن فيه صيانة أموال المسلمين عن التلف، وصيانة السارق عن السرق؛ فإن من سرق أسرف إذا حصل له مال مجموع غير مكسوب، فإن السرقة إنما تنشأ من لؤم الطبيعة وخبث الطينة وسوء ظنه بالله تعالى، وترك الثقة بضمان الله تعالى ... فجوزي بالعقوبة لهذه الأنواع من الجناية، وآخر [1] أن مالك المال يعتمد عصمة الله تعالى في حال نومه وغفلته وغيبته، والسارق ينتهز هذه الفرصة ولا يبالي من هذه العصمة، فجازاه الله تعالى بقطع العصمة من آلة الجناية وهي اليد، فإنه بها يتمكن من السرقة في غالب أحواله، ثم الحسن فيه أنه جوزي بالقطع لا بالقتل؛ لأنه فوت على المالك بعض المنافع، فيجازى بتفويت بعض المنافع [2] ."
ثم يفصل البخاري في جزئيات حد السرقة ومحاسن ذلك فيقول:"إذا سرق مرة أخرى تقطع رِجله اليسرى، وقد قطع في المرة الأولى يمينه؛ لأنه بها يتقوى على السرقة، ولا تقطع يده اليسرى؛ فإنه لو قُطعت يده اليسرى تفوت منفعة البطش ... ولم يشرع إتلاف النفس جزاء على هذه الجناية، فلا يشرع إتلافها من وجه" [3] .
وهكذا يتحدث البخاري في باقي الحدود مبينًا محاسن كل حد، ومتتبعًا تفاصيله وجزئياته، كاشفًا عن محاسن هذا كله.
3 ـ وفي البيوع يقول:"البيع هو معاوضة مال بمال، وهو أليق بأحوال أشكال الخلق من الرجال والنساء؛ إذ المعطي والآخذ محتاج، واللائق بحال المحتاج أن يتصرف على حسب حاجته، فلا يليق به الإعطاء بلا عوض، إنما يليق هذا بمن يكون الغنى له، وهو الله الغني وأنتم الفقراء؛ فالمعاوضة أحسن وجوه المعاملة؛ فإن في صيانة أخيه عن أعباء منته والإعطاء بلا عوض إدخال حر مثله تحت رق إحسانه ... ففائدة البيع تعم البلاد والعباد وتدفع الفساد، فالبائع يمضي بسلعته إلى الداني والقاصي طلبًا لمرامه من الربح، والمشتري يظفر بمقصوده من غير مفارقة معهوده؛ فيحصل به عمارة البلاد ومقاصد العباد" [4] .
ويرى البخاري أن من محاسن البيع إطفاء العداوة والشحناء والفتنة؛ فالمحتاج إذا لم يجد سبيلًا إلى ما في يد غيره بالمعاوضة لتسارع إلى السلب والقتل، فيظهر الفساد في الأرض، وتكون الفتنة [5] .
ويقول: إن من حسن البيع قطع مسافة الطلب؛ فإن من طلب المِسك من معدنه يحتاج إلى الأسفار والقوافل وتحمُّل الأخطار.
ثم يقسم البيوع إلى ثلاثة: مساومة وتولية ومرابحة، ويبين أساس ابتنائها، ثم الحسن في تحريم الربا [6] .
(1) يعني: حسن آخر من المحاسن.
(2) محاسن الإسلام: 63.
(3) محاسن الإسلام: 63 - 64.
(4) محاسن الإسلام: 79 - 80.
(5) محاسن الإسلام: 81.
(6) محاسن الإسلام: 82، وما بعدها.