فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 89

وفيما يلي نماذج من اجتهاداتهم واختياراتهم تبين ذلك وتجليه:

الفرع الأول: قتل الجماعة بالواحد:

وأولُ مَن قال به من الصحابة الصحابيُّ الفقيه الجليل عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وتأتي اجتهاداته في مقدمة الصحابة ـ في تقديري ـ رعاية للمقاصد وتحقيقًا للمصالح؛ فلم تقم دراسات فقهية وأصولية واقتصادية وسياسية وإدارية عن صحابي مثله، وكل هذه المجالات ضرب فيها بسهم وافر في ضوء تحقيق المقاصد والمصالح.

روى البخاري بسنده عن نافع عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: أن غلامًا قُتِل غِيلةً، فقال عمر: لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتُهم [1] .

وروى الإمام مالك بسنده عن سعيد بن المسيَّب: أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا [2] .

قال ابن مودود الموصلي [3] :"وذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير؛ فكان إجماعًا" [4] .

وإذا نظرنا إلى تشريع القِصاص والمقصد منه وجدنا القرآن الكريم ذكر ذلك بوضوح، ونص عليه حين قال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .

قال ابن كثير:"وفي شرع القِصاص لكم ـ وهو قتل القاتل ـ حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَجِ وصَوْنُها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يُقتَل انكفَّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس" [5] .

وقال القرطبي:"والمعنى: أن القِصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه، ازدجَر مَن يريد قَتْلَ آخر؛ مخافة أن يُقتَصَّ منه؛ فحَيِيَا بذلك معًا، وكانت العرب إذا قتَل الرجلُ الآخرَ حَمِيَ قبيلاهما وتقاتَلوا، وكان ذلك داعيًا إلى قتل العدد الكثير، فلما شرَع الله القِصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال؛ فلهم في ذلك حياة" [6] .

ويقول صاحب الظلال [7] :"وفي القِصاص حياة على معناها الأشمل الأعم؛ فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها، واعتداء على كل إنسان حي، يشترك مع القتيل في سمة الحياة، فإذا كف القِصاصُ الجانيَ عن إزهاق"

(1) صحيح البخاري: كتاب الديَات، باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم؟ رقم (6896) .

(2) الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر (1561) .

(3) هو عبدالله بن محمود بن مودود الموصلي البلدحي، مجد الدين أبو الفضل (599 - 683 هـ = 1203 - 1284 م) : فقيه حنفي، من كبارهم، ولد بالموصل، ورحل إلى دمشق، ووليَ قضاء الكوفة مدة، ثم استقر ببغداد مدرسًا، وتوفي فيها، له كتب، منها:"الاختيار لتعليل المختار - ط"فقه، شرح به كتابه:"المختار - خ"في فروع الحنفية، الأعلام: 4/ 135 - 136.

(4) الاختيار لتعليل المختار: 5/ 22، تحقيق عبداللطيف محمد عبدالرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1426 هـ / 2005 م.

(5) تفسير القرآن العظيم: 1/ 212، دار الفكر، بيروت، 1401 هـ.

(6) الجامع لأحكام القرآن: 2/ 256، دار الشعب، القاهرة.

(7) هو سيد قطب بن إبراهيم (1324 - 1387 هـ = 1906 - 1966 م) : مفكر إسلامي مصري، من مواليد قرية (موشا) في أسيوط، وتخرج في كلية دار العلوم (بالقاهرة) سنة 1353 هـ ـ (1934 م) ، وعمل في جريدة الأهرام، وكتب في مجلتي (الرسالة) و (الثقافة) ، وأوفد في بعثة لدراسة (برامج التعليم) في أميركا (1948 - 51) ، ولما عاد انتقد البرامج المصرية، وكان يراها من وضع الإنجليز، وانضم إلى الإخوان المسلمين، فترأس قسم نشر الدعوة، وتولى تحرير جريدتهم (1953 - 54) ، وسجن معهم، فعكف على تأليف الكتب ونشرها وهو في سجنه، إلى أن صدر الأمر بإعدامه، فأعدم 28 أغسطس 1966 م، ولما كانت النكسة عام 1967 م، قال علال الفاسي:"ما كان اللهُ لينصر حربًا يقُودها قاتل سيد قطب"، له مؤلفات، منها:"في ظلال القرآن"، و"العدالة الاجتماعية في الإسلام"، و"التصوير الفني في القرآن"، وغيرها، زادت على عشرين، الأعلام للزركلي: 3/ 147 - 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت