فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 89

ومن المواضع المقاصدية اللافتة في هذا الكتاب ما أورده العز في الفصل التاسع عن صوم التطوع؛ حيث أورد حديث عبدالله بن عمرو بن العاص الذي نصحه النبي صلى الله عليه وسلم فيه بألا يتابع الصوم، وأن أفضل الصوم هو صيام داود ـ عليه السلام ـ حيث كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى.

قال العز: وإنما فضَّل النبي صلى الله عليه وسلم صومَ الغِبِّ ـ يعني صيام يوم وإفطار يوم ـ في هذا الحديث لسببين:

الأول: أن ابن عمرو كان لا يحتمل أكثر من ذلك؛ بدليل أنه ـ عليه السلام ـ قال له: (( فإنك إذا فعلت نفهت ـ يعني تعِبَت وكلَّتْ ـ نفسُك، وغارت عيناك"..."

والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه صوم داود، وذكر أنه لم يؤثِّر في قوى داود بقوله: (( وكان لا يفر إذا لاقى ) )، فعلى هذا يكون حديث ابن عمرو مخصوصًا بأفضل الصوم، وحق كل من ينهك الصوم قواه، فإن الغالب على الصحابة أنهم إنما كانوا يسألون عن أفضل الأعمال ليتعاطوه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفهم منهم ذلك، فيجيب كل واحد منهم على حسب ما فهم منه، ويحمل العز اختلاف إجابة النبي صلى الله عليه وسلم على السؤال نفسه باختلاف حال السائل، ثم يقول:"فعلى هذا صوم الدهر في حق من أفطر في الأيام المحرمة ـ إذا كان مطيقًا له، لا يؤثر في جسده، ولا يقعده عن شيء من الطاعات التي كان يفعلها الأقوياء ـ أفضل من الغِبِّ؛ لأن الجزاء على قدر الأعمال على ما تمهد في الشريعة أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" [1] .

فالشيخ الإمام هنا ربط أفضل الصوم بمدى الإطاقة، فإن كان لا يطيق أكثر من ثلاثة أيام كل شهر كان في حقه أفضل الصوم، وإن كان لا يطيق أكثر من الاثنين والخميس كان في حقه أفضل الصوم، وإن قدر على صيام الدهر ما عدا الأيام المحرمة فهو في حقه أفضل الصوم، وهكذا، وهذا نظر تعليلي مقاصدي معتبر.

ولا نبعُدُ عن الصواب ـ وفق هذا المنطق التعليلي المقاصدي ـ إن قلنا: وإن كان ممن يصوم بصعوبة ويمثِّل له صيام التطوع مشقة كبيرة تؤثر في جسده وقواه، فتُقعده عن أداء الأعمال والواجبات - فهذا لا يستحب صوم التطوع في حقه، بل قد يحرم [2] إذا عطَّله عن القيام بواجبات وفرائض.

الفرع الثالث: مناسك الحج:

وللعز بن عبدالسلام رسالة عن مناسك الحج لا تبدو فيها النظرة المقاصدية كما كانت في الصلاة أو حتى الصيام، ولكن هناك موضعان في هذه الرسالة [3] رأيت فيهما هذا النظر.

الأول: وهو يتحدث عن السفر باعتباره مقدمات الحج تكلم عن الوضوء والتيمم وقصر الصلاة، قال عن التيمم:

(1) مقاصد الصوم: 36 - 39.

(2) راجع مثلًا: فقه الصيام: 138 - 139، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1426 هـ / 2006 م.

(3) ضمها عبدالرحمن أحمد قمحية إلى رسالة الصلاة والصيام، وجعلها كتابًا واحدًا بعنوان: مقاصد العبادات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت