ويُقصَد بالوظائف الدعوية هنا ـ كما سبقت الإشارة في تحديد مصطلحات البحث ـ ما يعود على الآخرين، وما يتصل بفكرهم وعقولهم، وقلوبهم وإيمانهم، وأرواحهم ووجداناتهم، ومن الوظائف الدعوية:
المطلب الأول: التجديد في الفكر:
تمثل مقاصد الشريعة الإسلامية مرجعية معتبرة للتجديد في الفكر الإسلامي بشكل عام، وفي الفقه والأصول بشكل خاص، وتتميز هذه المرجعية بأنها قادرة على تقديم الإجابات المناسبة لما ينزل بالأمة من نوازل، سواء كانت نوازل عامة في جوانب حياتها الثقافية والسياسية والاجتماعية والحضارية، أم نوازل فقهية تمس حياة الناس من الناحية الشرعية المباشرة.
وتحت هذه المظلة الواسعة تنطلق حركة الاجتهاد والتجديد انطلاقة رحيبة تأخذ مداها، لتحتضن كل جديد، وتستوعب كل حادث، ولا تقف مكتوفة الأيدي أمام أي نازلة، إنما تقوم بتوصيف واقعها، وتستنزل حكمها في ضوء هذه المظلة مع مراعاة النصوص الجزئية الخاصة والعامة.
وما مِن شك في أن هذه المظلة الكبرى التي تمثل ساحة واسعة للمجتهد المعاصر تتكون ـ بداية تكوينها ـ من المقاصد الجزئية التي تعتبر مهادًا لتكوين المقاصد الخاصة، وتكونان ـ بدورهما ـ المقاصد الكلية والمفاهيم التأسيسية والمقاصد العالية التي ترتكز عليها عملية التجديد الفكري في النسق الإسلامي العام.
إن نظرية المقاصد هي الرؤية الكلية التي تندرج في إطارها كل الرؤى الفكرية والقواعد الفقهية، ولا تتعلق باستنباط الأحكام الشرعية فحسب،"بل إنها تشكل المفهوم الكلي الذي يحكم طريقة التفكير الإسلامية، والتي توائم موائمة فريدة بين هداية النقل ودراية العقل؛ فهي منهج لتجديد الفكر الإسلامي على هديِ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهج صحابته عليهم الرضوان في النظر المقاصدي ... الذي يوفر منهجًا للأحكام العقلية كما هي منهج للأحكام العملية" [1] ، وهذا يقتضي كون النظر المقاصدي صالحًا لإحداث الفاعلية والتجديد، ومرتكزًا أساسيًّا في صناعة تنمية دائمة، ونهضة إسلامية شاملة.
وهذا التجديد لا بد أن يصدر من أهله وفي محله: من أهله الذين سبروا أغوار الشريعة بمقاصدها ونصوصها، بمواردها ومصادرها، بكلياتها وجزئياتها، ثم آتاهم الله فهمًا وبصيرة لتوصيف الواقع وفهمه فهمًا دقيقًا وتوصيفًا
(1) مقاصد الشريعة إطارًا ووسيلة للإصلاح والتجديد في المجتمعات الإسلامية، د. أمين حسن عمر، ضمن الندوة العالمية عن الفقه الإسلامي وأصوله وتحديات القرن الواحد والعشرين، مقاصد الشريعة وسبل تحقيقها في المجتمعات المعاصرة: 1/ 464، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، كوالالمبور، (14 - 16 رجب 1427 هـ ــ 8 - 10 أغسطس 2006 م) .