فأدار الأمر هنا على تحقُّقِ الإسماع؛ فعند التيقن أنه لم يتحقق يجوز أن يزيدَ على الثلاث، ولعلنا لا نذهب بعيدًا عن الصواب ـ انطلاقًا من فقه الإمام مالك رضي الله عنه ـ إن قلنا: إذا تحقق الإسماع من أول مرة فلا داعي للثانية، فضلًا عن الثالثة، وإنما نص الحديث على الثلاث؛ لأنه غالبًا ما يتحقق الإسماع بها، والأحكام تبنى على الغالب لا النادر.
ويُعتبر مذهب أهل المدينة امتدادًا لفقه عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الذي تميز ـ كما سبق بيانه ـ بالحرص على مراعاة مقاصد الشارع وتحقيق مصالح الناس.
ولعل مِن أبرز الذين يهتمون بالتقصيد الجزئي من أئمة الفقه المالكي: ابن رشد، والقَرافي، وابن العربي، والشاطبي.
الإمام أبو حنيفة هو إمام أهل الرأي المحمود، والمبرز في استخدام القياس؛ وذلك لقلة النصوص عندهم، خلافًا لأهل المدينة الذين كثرت لديهم النصوص، مما استدعى عند أبي حنيفة ومدرسته توسعًا في استخدام القياس ليعوِّضَ فَقْدَ النصوص عندهم، ولا يخلو هذا المسلك من اهتمام بالتقصيد والاعتماد عليه والدوران معه في كثير من المسائل، وعديد من النظرات، بما يحتويه القياس من علة تثمر مقاصد الأحكام في كثير من الأحكام.
وفيما يلي نماذج مختارة للإمام أبي حنيفة ولفقهاء المذهب تتجلى فيها النظرة المقاصدية، واعتبارها في عملية الاجتهاد أو الترجيح، وربما دوران الحكم معها:
أولًا: منع الكفالة في الحدود:
الكفالة هي الضم لغة؛ قال الله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] ، ثم قيل: هي ضمُّ الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقيل في الدين، والأول أصح [1] .
ولهذا فإن من أتى حدًّا من حدود الله تحمله، ولا يكفله عنه غيره، قال ابن الهمام [2] :"ولا تكفل في شيء من الحدود والقِصاص في قول أبي حنيفة وأبي يوسف [3] الأول؛ ولهذا يحبسه أبو حنيفة، وفي قول أبي يوسف الآخر ـ وهو قول"
(1) الهداية شرح بداية المبتدي: 3/ 87، المكتبة الإسلامية.
(2) هو محمد بن عبدالواحد بن عبدالحميد بن مسعود السيواسي، ثم الإسكندري (790 - 861 هـ = 1388 - 1457 م) ، كمال الدين، المعروف بابن الهُمَام، إمام من علماء الحنفية، عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقا والمنطق، ولد بالإسكندرية 790 هـ، وتوفي بالقاهرة سنة 861 هـ، وله: فتح القدير في شرح الهداية في الفقه الحنفي، الأعلام: 6/ 255.
(3) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف (113 - 182 هـ = 731 - 798 م) : صاحب الإمام أبي حنيفة، وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيهًا علَّامة، وليَ القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، ومات في خلافته، ببغداد، وهو على القضاء، وأول من وضع الكتب في أصول الفق، على مذهب أبي حنيفة، انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية: 2/ 220 - 222، و 519، عبدالقادر بن أبي الوفاء محمد بن أبي الوفاء القرشي، أبو محمد، طبعة مير محمد كتب خانه، كراتشي، د. ط، د. ت، والطبقات الكبرى: 7/ 330 - 331، محمد بن سعد بن منيع، أبو عبدالله البصري الزهري، دار صادر، بيروت، وسير أعلام النبلاء: 8/ 535.