قال ابن تيمية معقبًا على المناكح في مذهب أهل المدينة:"وأما المناكح فلا ريب أن مذهب أهل المدينة في بطلان نكاح المحلِّل ونكاح الشِّغار أتبعُ للسنَّة ممن لم يبطل ذلك من أهل العراق؛ فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعَن المحلِّل والمحلَّل له، وثبت عن أصحابه كعمرَ وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس أنهم نَهَوْا عن التحليل، لم يُعرَفْ عن أحد منهم الرخصةُ في ذلك، وهذا موافق لأصول أهل المدينة؛ فإن مِن أصولهم أن القصود في العقود معتبرةٌ" [1] .
ثالثًا: الاستئذان ثلاثًا:
وفي مسألة الاستئذان التي هدَّد فيها سيدنا عمر سيدنا أبا موسى الأشعري حين استأذن ثلاثًا ثم انصرف، ولم يكن يعلم سيدنا عمر بباقي الحديث الذي يقضي بالانصراف عند عدم الإذن بعد الاستئذان ثلاثًا [2] .
يروي الإمام مالك في الموطأ بسنده عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الاستئذان ثلاث، فإن أُذِن لك فادخُل، وإلا فارجِعْ ) ) [3] .
ورغم أن أبا موسى ـ رضي الله عنه ـ عمل بظاهر الحديث، فإن الإمام مالكًا لم يجمد على ظاهره، بل عمِل بفحواه ومقصوده:"قال ابن وهب [4] : وقال مالك: الاستئذانُ ثلاثٌ، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا مَن علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسًا أن يزيدَ إذا استيقَن أنه لم يسمَع" [5] .
(1) مجموع الفتاوى: 20/ 377 - 378.
(2) راجع مثلًا: الاستذكار: 8/ 475.
(3) موطأ مالك: كتاب الاستئذان، باب الاستئذان، رقم (1730) ، ج 2/ 963.
(4) هو عبدالله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء، المصري، أبو محمد (125 - 197 هـ = 743 - 813 م) : فقيه من الأئمة، من أصحاب الإمام مالك، جمع بين الفقه والحديث والعبادة، له كتب، منها:"الجامع - ط"في الحديث، مجلدان، و"الموطأ"في الحديث، كتابان كبير وصغير، وكان حافظًا ثقة مجتهدًا، عُرض عليه القضاء فخبَّأ نفسه ولزم منزله، مولده ووفاته بمصر، الأعلام للزركلي: 4/ 144.
(5) التمهيد: 3/ 192.