فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 89

الأبواب التي يتجلى فيها هذا المسلك، ولا شك أن المصالح المرسلة ومراعاتها، وسد الذرائع وضبطها يعدان منطلقًا للتفكير المقاصدي، ولعل المذهب المالكي هو صاحب اليد الطولى بأعلامه ومؤلفاته في هذا الميدان، وفيما يلي أمثلة للإمام مالك في التقصيد الجزئي:

أولًا: بيع المغيَّب في الأرض ونية المكلف:

ومن ذلك أن بيع المغيَّب في الأرض مثل الجزر واللفت ـ على ما فيه من غرر ـ جائز عند الإمام مالك، قال ابن عبدالبر:"ويجوز عند مالك وأصحابه بيع المغيَّب في الأرض، نحو الفجل والجزر واللفت حين يبدو صلاحه ويوكل منه، ويكون ما قام منه ليس بفساد، وكذلك البقول يجوز فيها بيعها إذا بدا صلاحها وأكل منها، وكان ما قلع منها ليس بفساد" [1] .

ويبيِّن ابن عبدالبر الغَرَرَ المتسامَحَ فيه عندهم، يقول:"وجملة معنى الغرر أنه كل ما يتبايع به المتبايعان مما يدخله الخطر والقِمار وجهل معرفة المبيع والإحاطة بأكثر صفاته، فإن جهل منها اليسير أو دخلها الغَرَر في القليل ولم يكن القصد إلى مواقعة الغَرَر، فليس من بيوع الغَرَر المنهيِّ عنها؛ لأن النهي إنما يتوجه إلى من قصد الشيء واعتمده" [2] .

وفي هذه المسألة نلحظ مراعاة لنوعين من المقاصد:

الأول: مقاصد الشرع في التيسير على الناس لقضاء حوائجهم رغم وجود غَرَر يسير، وهو مما يُتسامَحُ فيه.

والثاني: مقاصد المكلَّف، وهي أن الغَرَر المنهيَّ عنه ـ حالةَ كونه يسيرًا ـ هو الذي يقع إلى مَن قصده وتعمده.

ثانيًا: نكاح المحلِّل:

وكذلك رأي مالك أن نكاح المحلِّل غير منعقد، ولا يُحِلُّ المرأةَ لزوجها الأول، يقول:"إنه لا يحلها إلا نكاح رغبة، وأنه إن قصد التحريم لم تحِلَّ له، وسواء علمَا أو لم يعلمَا لا تحل، ويفسخ نكاح من قصد إلى التحليل، ولا يُقَرُّ على نكاحه قبل الدخول وبعده، وقال الثوري [3] والأوزاعي [4] والليث [5] في ذلك نحوَ قول مالك" [6] .

(1) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: 13/ 305، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبدالكبير البكري، طبع وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب - 1387 هـ.

(2) الكافي في فقه أهل المدينة: 2/ 735، تحقيق محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1400 هـ/ 1980 م.

(3) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبدمناة، من مُضَرَ، أبو عبدالله (97 - 161 هـ = 716 - 778 م) : أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد أهل زمانه في علوم الدِّين والتقوى، وُلد ونشأ في الكوفة، وراوده المنصور العباسي على أن يليَ الحكم، فأبى، وخرج من الكوفة (سنة 144 ه) فسكن مكة والمدينة، ثم طلبه المهدي، فتوارى، وانتقل إلى البصرة، فمات فيها مستخفيًا، الأعلام: 3/ 104.

(4) هو عبدالرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، من قبيلة الأوزاع، أبو عمرٍو (88 - 157 هـ = 707 - 774 م) : إمام الديار الشامية في الفقه والزهد، وأحد الكتَّاب المترسِّلين، وُلد في بعلبك، ونشأ في البقاع، وسكن بيروت وتوفي بها، وعُرض عليه القضاء فامتنع، قال صالح بن يحيى في (تاريخ بيروت) : (كان الأوزاعيُّ عظيمَ الشأن بالشام، وكان أمره فيهم أعزَّ مِن أمر السلطان، وقد جعلت له كتابًا يتضمن ترجمته) ، له كتاب (السنن) في الفقه، و (المسائل) ، ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها كلها، وكانت الفتيا تدور بالأندلس على رأيه إلى زمن الحكم بن هشام، الأعلام: 3/ 320.

(5) هو الليث بن سعد بن عبدالرحمن، الفهمي بالولاء، أبو الحارث (94 - 175 هـ = 713 - 791 م) : إمام أهل مصر في عصره، حديثًا وفقهًا، قال ابن تغري بردي:"كان كبير الديار المصرية ورئيسها وأمير مَن بها في عصره، بحيث إن القاضي والنائب من تحت أمره ومشورته"، أصله من خراسان، ومولده في قلقشندة، ووفاته في القاهرة، وكان مِن الكرماء الأجواد، وقال الإمام الشافعي:"الليث أفقهُ مِن مالك، إلا أن أصحابَه لم يقوموا به"، أخباره كثيرة، وله تصانيف، الأعلام: 5/ 248.

(6) الاستذكار: 5/ 448، قال في الموطأ:"والمحلل يفرق بينهما على كل حالٍ إذا أريد بالنكاح التحليل"، موطأ مالك ج 2 ص 119، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت