فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 89

إن الشريعة الإسلامية وأحكامها وتشريعاتها لن نستطيع أن نفقهها حق الفقه، ونفهمها حق الفهم، ونستوعب طبيعتها حق الاستيعاب، إلا إذا وقفنا على أسرارها ومقاصدها وغاياتها التي شُرعت من أجل تحقيقها في واقع الحياة.

ويعد الفقه بمقاصد الأحكام الفقهية في ضوء مقاصدها أهم خطوة لتنزيل تلك الأحكام في الواقع بما يحقق مصلحته ويوفِّي متطلباته حق الوفاء، وبما لا يتعارض مع أصول الشريعة ومقرراتها العامة ومقاصدها العالية، وبدون هذا الفقه ستندُّ كثيرٌ من المستجدات عن مظلة الشريعة الإسلامية، ونوقع أنفسنا وشريعتنا في تناقضات عجيبة، وهذا ـ في حد ذاته ـ مناقض لمقصد الله تعالى من وضع الشريعة.

وقد ظهر من هذه الدراسة أن التمثل بأحكام الإسلام وفق مقاصدها له فوائده وعوائده على الفرد والمجتمع.

فمن ناحية الفرد، يسهم في الإتيان بالأحكام على وجهها الصحيح، ويعمل على سلامة تطبيقها وإحسانه، كما أنه يجعل المؤمن أكثر اطمئنانًا، ويجعله يُقبِل على العمل بحب وشوق؛ إذ الإسلام يقوم عليهما، ويزيل أي حرج من قلب المؤمن، وفي هذا ما فيه من زيادة الإيمان بربانية الشريعة، وصلاحيتها الحضارية لقيادة الحياة.

ومن ناحية المجتمع، فإنه يرشِّد حركته وعبادته، ويعزز من صحة تدينه، ويجدد حياته، ويجعله أكثر قدرة على معايشة واقعه، يفعل فيه فعله وينفعل به، كما أن تحكيم مقاصد الأحكام يسهم بشكل فاعل في تقييم وتقويم العمل وتوجيهه الوجهة الصحيحة الرشيدة، ويقوم بدور فعال في رد الشبهات، وهو أمر نحتاج إليه بشدة في عصرنا في ظل الفضاءات الإعلامية الواسعة والمتقاربة والمفتوحة، كما أن تمثل هذا الفكر يمنحنا مرونة في التنقل بين الوسائل المشروعة لتحقيق الهدف المنشود.

إن لمقاصد الأحكام الفقهية وظائف وفوائد وأدوارًا تتخطى مجال العلوم الشرعية من فقه وأصول وفتوى ودعوة وتربية وغيرها إلى مجالات أوسع وأعمق، وآفاق أرحب وأشمل، وإذا نحن حكمنا هذا الفكر في تلك المجالات الرحيبة والعميقة فلا ريب أن هذه العلوم وتلك المجالات ستتجدد وستتطور، وتقوم بأداء وظائفها المنوطة بها، وتحقق أهدافها المرصودة، فتنتعش الحياة الفكرية، ويترشد تفكير الإنسانية؛ رقيًّا في الخُلق، وسموًّا في السلوك، وحضارة في البناء والعمارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت