وتنوعها وتجددها لتحقيق الأهداف والغايات، وليس هناك باب أرحب في الفقه الإسلامي من باب السياسة الشرعية؛ لابتنائه وقيامه على فقه المصالح والمفاسد، وسَعة منطقة العفو فيه.
فلو ضربنا مثلًا في هذا السياق باختيار الحاكم، فليس بالضرورة أن يتم اختياره كما تم اختيار الخليفة الأول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في سقيفة بني ساعدة، ولكن يمكن أن يتعدد ويتنوع شكل اختيار الحاكم؛ كالأشكال التي نراها في عصرنا من خلال صناديق الاقتراع، والمهم في هذا أن تتحقق الشورى، وأن يختار الناس حكامهم بكامل إرادتهم وتمام حريتهم؛ ليكون الاختيار صحيحًا تترتب عليه آثاره، وتتحقق به مقتضياته.
ولا مانع كذلك من تعدد وتنوع شكل الحكم نفسه، كما يتنوع ويتعدد في بلاد الغرب، المهم أن يتحقق المقصد من قيام الحكام والحكومات، وهو حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
وإذا كانت المقاصد تعمل على تجديد الوسائل وتنويعها، فإنها أيضًا تفيد في اختيار أنسب الوسائل لتحقيق مقصود الشرع، كما تعمل على هدايتنا للواجب منها والمندوب والمباح؛ نظرًا لأن للوسائل حكم المقاصد.
وهكذا فإننا نجد أن وضوح المقصد ووجوده وظهوره يعود على الوسائل بالمرونة والتجدد والتنوع، ويعمل على اختيار أنسبها وأصلحها، وأوفقها حكمًا للمقصود، وفي هذا من العمل على سعة الفقه الإسلامي ومرونته واستيعابه ما لا يمكن معه أن تَنِدَّ حادثة من مستجدات العصور بعيدًا عن مظلة الشريعة.
تبيَّن لنا من خلال هذا الفصل الأهمية البالغة لمقاصد الأحكام الجزئية، وأن وظائفها متنوعة ومتعددة، وأن الآثار المترتبة على العمل بها كثيرة، وربما لو دققنا النظر وأمعنا الفكر لاستخرجنا وظائف أخرى متنوعة غير ما أوردناه، تتوزعها المجالات المختلفة، الأصولية والفقهية والتربوية والاجتماعية والدعوية والسياسية والقانونية، وغيرها من المجالات، ولعل فيما سبق ما يعطي الطريقة والمنهجية التي يمكن أن نستنبط بها وظائف أخرى، والله أعلم.