فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 89

قال ابن حجر:"وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الغَيرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال مثلًا: إن الزمان قد تغير، وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره ـ لكان يظهر ألا ينكر عليه" [1] .

وغير ذلك من وقائع وأحداث تقطع بأن الصحابة ـ ومن بعدهم ممن اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ـ كانوا يراعون هذا البُعد في الأحكام، ويتوخَّونه في الاجتهاد، ويحكمونه في النوازل وما يستجدُّ من حوادث؛ إرضاءً لله، وتحقيقًا لخلود الشريعة وصلاحيتها، ومراعاة لمصالح الناس في المعاش والمعاد.

المطلب الثاني: من أئمة الفقهاء:

سبق في الأمثلة التي أوردناها للصحابة والتابعين أن ذكرنا من وافقهم من أئمة الفقهاء، وبيَّنا كيف أنهم وافقوا هؤلاء الصحابة في اجتهاداتهم، وتابعوهم عليها، وهذا لا يُغني عن ذكر أمثلة أخرى هنا نبرز فيها مدى اعتبار أئمة الفقهاء والمذاهب وأصحاب الأوجه فيها لهذا التوجه من الفقه النير الذي يستنزل النصوص ويبين ثراءها، ويدخل كل نازلة تحت مظلتها، فلا يند عن أحكام الشريعة شيء من قديم أو حديث.

الفرع الأول: الإمام مالك:

يعتبر الإمام مالك هو الوريث الشرعي لهذا الفكر، حتى ادعى أبو بكر ابن العربي [2] أنه انفرد به، فقال:"وأما المقاصد والمصالح فهي أيضًا مما انفرد بها مالك دون سائر العلماء" [3] ، وقال أيضًا:"ما كان أغوصه على المقاصد، وما كان أعرَفَه بالمصالح!" [4] .

ومعروف عن المذهب المالكي أنه يتوسع ـ توسعًا منضبطًا ـ في الأخذ بالمصالح المرسلة وسد الذرائع، وهما أصلان لهما صلة قوية بمقاصد الشارع ومقاصد المكلف، بالإضافة إلى الاستحسان والعُرف واعتبار مقاصد المكلَّفين، ولا يخفى ما لذلك من صلة بمقاصد الشريعة [5] ، ولعل أبواب العقوبات والبيوع والأحوال الشخصية تُعَد من أكثر

(1) فتح الباري: 2/ 349، دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ.

(2) هو محمد بن عبدالله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، أبو بكر ابن العربي (468 - 453 هـ = 1076 - 1148 م) : قاضٍ، من حفاظ الحديث، ولد في إشبيلية، ورحل إلى المشرق، وبرع في الأدب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، ووليَ قضاء إشبيلية، ومات بقرب فاس، ودفن بها، صنف كتبًا عديدة، منها: (العواصم من القواصم - ط) ، و (عارضة الأحوذي في شرح الترمذي - ط) ، و (أحكام القرآن - ط) ، و (القبس في شرح موطأ ابن أنس - خ) ، و (المحصول) في أصول الفقه، وهو غير محيي الدين ابن عربي، الأعلام للزركلي: 6/ 230، والقبس مطبوع الآن.

(3) القبس شرح موطأ مالك بن أنس: 2/ 786، لأبي بكر بن العربي المعافري، دراسة وتحقيق: د. محمد عبدالله ولد كريم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1992 م.

(4) السابق: 3/ 1098.

(5) انظر: مقاصد الشريعة عند الإمام مالك بين النظرية والتطبيق: 1/ 145، وما بعدها، د. محمد أحمد القياتي محمد، تقديم د. محمد سليم العوا، ود. أحمد طه ريان، دار السلام، القاهرة، الطبعة الأولى، 1430 هـ/ 2009 م، وقد فصل المؤلف ـ جزاه الله خيرًا ـ في هذا البحث علاقة هذه الأصول بمقاصد الشريعة عند الإمام مالك، كما بيَّن الكليات الخمسة من ناحية الوجود ومن ناحية العدم عنده، وغير ذلك، وراجع أيضًا: الفكر المقاصدي عند الإمام مالك وعلاقته بالمناظرات الأصولية والفقهية في القرن الثاني الهجري: 525 - 590، د. محمد نصيف العسري، دار الحديث، القاهرة، ومركز التراث الثقافي المغربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1429 هـ/ 2008 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت