وهكذا رأينا في الأمثلة السابقة أن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم الفقهاء، كان البعد المقاصدي حاضرًا لديهم في الاجتهاد، وأساسًا عندهم في تنزيل الأحكام، وفي تغيير الفتوى، ولم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فكان إجماعًا، رغم ما يبدو في بعض الأحيان من مخالفتهم ـ حاشاهم ـ لظاهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم بما لو وقع في عصرنا بين العامة من الناس أو بعض طلاب العلم لقامت الدنيا ولم تقعد، واتهم القائل بمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، واتباع الهوى، والخروج على السنة الشريفة.
فلم يهملوا ـ رضي الله عنهم ـ ما وراء الأحكام وما شرعت له انتصارًا للنص الجزئي، ولا تفلتوا من النص الجزئي عملًا بمقاصد موهومة، بل جمعوا في توافق عجيب بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، وفهموا النصوص في ضوء عللها ومقاصدها الجزئية، وضبطوا الأحكام بمقاصدها وما ترمي إليه من مصالح، بعيدًا عن التحجر أو التحرر.
وإنما جاءت الشريعة لتحقق مقاصدها عبر تنزيلها وتفعيلها في واقع الناس لتسد خَلَّتهم، وتقضي حاجتهم، وتحقق مصالحهم، وتضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
وهناك أمثلة عديدة في عهد الصحابة أيضًا، منها:
1 ـ تجميع الناس على صلاة التراويح في عهد عمر، بقصد تقوية الجماعة وتمتين صفها وأواصرها الدينية والإيمانية.
2 ـ جمع القرآن في عهد أبي بكر، والمقصود حِفظ الوحي، واستبقاء دستور الأمة، ومصدر الهداية والتشريع.
3 ـ إمضاء الطلاق الثلاث بلفظ واحد في عهد عمر؛ لما ظهر من استخفاف الناس بالطلاق وكثرة الحلف، فأراد عمر أن يزجرهم عن هذا الفعل؛ تقديرًا للأسرة ومراعاة لحرمتها، فرأى المصلحة المترتبة على وقوع الطلاق أكبر من المفاسد.
4 ـ اختيار الصحابة لأبي بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم درءًا للفتنة، وحفظًا للنظام العام في الدولة الإسلامية.
5 ـ أمر عمر لحذيفة أن يخلِيَ سبيل اليهودية التي تزوجها بالمدائن، موضحًا ذلك بقوله:"فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين".
6 ـ منع بلال بن عبدالله بن عمر النساء من الذهاب للمساجد ليلًا، رغم ورود حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن منعهن؛ روى البيهقي بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تمنعوا النساء المساجد بالليل ) )، فقال ابنه:"والله لنمنعهن؛ يتخِذْنَه دَغَلًا"، فرفع يده فلطمه، وقال:"أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول هذا!" [1] .
(1) السنن الكبرى: 3/ 132، رقم (5152) .