باختيارهم، وإنما عين تلك الأجناس في الزكاة تسهيلًا على أرباب الأموال؛ لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي عنده" [1] ."
وفي مقام آخر يقول:"لم يجمد على ظاهر الحديث ... ولكنه نظر إلى المقصد من أخذ الزكاة، وهو التزكية والتطهير للغنيِّ: نفسه وماله، وسد خَلَّةِ الفقراء من المؤمنين، والمساهمة في إعلاء كلمة الإسلام، كما تنبئ عن ذلك مصارف الزكاة، فلم يرَ بأسًا من أخذ قيمة العين الواجبة في الزكاة، وخصوصًا أن أهل اليمن أظلهم الرخاء في رحاب عدل الإسلام، في حين تحتاج عاصمة الخلافة إلى مزيد من المعونات، فكان أخذ القيمة ـ ملبوسات ومنسوجات يمنية ـ أيسرَ على الدافعين، وأنفع للمرسَل إليهم من فقراء المهاجرين وغيرهم في المدينة" [2] .
وتشتد حاجتنا المعاصرة إلى هذا الفقه"المُعاذيِّ"في هذه المسألة خصوصًا، وغيرها عمومًا؛ حيث نرى بعض المتفقهين يصرون على إخراج الحبوب، ويحرِّمون إخراج القيمة وعدم إجزائها في وقت لا يملِك فيه المخرِج حبوبًا، ولا ينتفع الآخذ بتلك الحبوب.
يقول ابن التركماني الحنفي [3] في تعليقاته على السنن الكبرى للحافظ البيهقي:"والمقصود من الزكاة سدُّ خَلَّةِ المحتاج، والقيمة في ذلك تقوم مقام تلك الأجناس؛ فوجب أن تجوز عنها" [4] .
وعقد ابن القيم فصلًا بعنوان:"صدقة الفطر حسب قوت المخرجين"ذهب فيه إلى أن الأصناف التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم"كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم؛ كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم، كائنًا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سدُّ خَلَّةِ المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم، وعلى هذا فيجزئ إخراج الدقيق، وإن لم يصحَّ فيه الحديث" [5] .
ومن الحق أن نقول: إن هناك بيئاتٍ وبلادًا يكون إخراج الحبوب فيها أيسر على المعطي وأنفع للآخذ، وهنا لا يصار إلى القيمة، بل نلتزم بظاهر الحديث؛ لأن المقاصد متحققة، ومصالح الناس مرعيَّة.
(1) فقه الزكاة: 2/ 804، مؤسسة الرسالة، وذهب للأخذ بقيمة الزكاة: الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وعن أحمد في غير زكاة الفطر، وهو ظاهر مذهب البخاري، راجع نفس المصدر.
(2) السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها: 234، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1426 هـ/ 2005 م.
(3) هو عثمان بن إبراهيم بن مصطفي المارديني، ويقال له: ابن التركماني (650 - 731 هـ = 1252 - 1331 م) : فقيه، من العارفين بالتفسير، انتهت إليه رياسة الحنفية بالديار المصرية، وتوفي في القاهرة، له:"شرح الوجيز الجامع لمسائل الجامع - خ"في شرح الجامع الكبير للشيباني، فقه، الأعلام: 4/ 202.
(4) الجوهر النقي: 4/ 113، دار الفكر، بدون تاريخ.
(5) إعلام الموقعين: 3/ 12، و 3/ 182.