فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 89

لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجابٌ )) [1] .

وكان مما قال له فيما رواه أبو داود عنه:"خُذِ الحَبَّ مِن الحَبِّ، والشاة من الغنَم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر" [2] .

ومع أن الأمر واضح، والأصل فيه الوجوب إلا بقرينة تصرفه عن الوجوب إلى غيره، لكن معاذًا ـ رضي الله عنه، وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام كما جاء في الحديث [3] ـ لم يجمد على ظاهر الأمر بحيث لا يأخذ من البقر إلا البقر، ومن الحبوب إلا الحبوب وهكذا، وإنما فعل ما أورده البخاري في صحيحه: أن معاذًا ـ رضي الله عنه ـ قال لأهل اليمن: ائتوني بعرضٍ ثيابٍ خميصٍ - أو لبيسٍ - في الصدقة مكان الشعير والذُّرَة أهونُ عليكم وخيرٌ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وأما خالدٌ فقد احتَبَس أدراعَه وأعتُدَه في سبيل الله ) )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( تصدَّقْنَ ولو من حُليِّكن ) )، فلم يستثنِ صدقة الفرض من غيرها، فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها، ولم يخص الذهب والفضة من العروض" [4] ."

ويعلق شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي على ذلك قائلًا:"وذلك أن أهل اليمن كانوا مشهورين بصناعة الثياب ونسجها، فدفعُها أيسرُ عليهم، على حين كان أهل المدينة في حاجة إليها، وقد كانت أموال الزكاة تفضل عن أهل اليمن، فيبعث بها معاذ إلى المدينة عاصمة الخلافة، وقول معاذ الذي اشتهر فرواه طاوس ـ فقيهُ اليمن وإمامها في عصر التابعين ـ يدلنا على أنه لم يفهم من الحديث الآخر الذي أمره فيه الرسول بأخذ الجنس: (خذ الحب من الحب والشاة من الغنم ... ) أنه إلزام بأخذ العين، ولكن لأنه هو الذي يطالب به أرباب الأموال، والقيمة إنما تؤخذ"

(1) صحيح البخاري: كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، رقم (1425) ، ج 2/ 544.

(2) سنن أبي داود: كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع، رقم (1599) ج 2/ 109، ورواه ابن ماجه في سننه، حديث رقم: (1814) ، ج 1/ ص 580، والحاكم في مستدركه ج 1/ ص 546 حديث رقم: 1433، وقال:"هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، إن صح سماع عطاء (عن) معاذ، فإني لا أتقنه"، والبيهقي في سننه الكبرى ج 4/ ص 113 حديث رقم: (7163) ، وقال:"هذا الحديث رواته ثقات"، والحديث فيه انقطاع بين عطاء ومعاذ؛ إذ إن عطاءً لم يلقَ معاذًا؛ لأنه وُلد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنةٍ، راجع التلخيص الحبير: 2/ 375، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1419 هـ/ 1989 م، وراجع البدر المنير: 5/ 534، تحقيق: مصطفى أبو الغيط وعبدالله بن سليمان وياسر بن كمال، دار الهجرة للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، 1425 هـ - 2004 م.

(3) عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( أرحم أمتي بأمتي أبو بكرٍ، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبلٍ، وأفرضهم زيد بن ثابتٍ، وأقرؤهم أُبَيٌّ، ولكل أمةٍ أمينٌ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) )، سنن الترمذي (3724) ، قال أبو عيسى:"هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ".

(4) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب العرض في الزكاة، 2/ 525.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت