لكي يكون الحديث في هذا المبحث منهجيًّا ومتتابعًا اقتضت طبيعته أن يقسم إلى مطالب، وقبل الحديث عن المطالب نؤكد أن نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة ـ وهما المصدران الأساسيان للأحكام الشرعية ـ ارتبط كثير منها منذ نزولهما بمقاصده الشرعية، سواء كانت جزئية أم كلية، وهو بلا شك يمثل المستوى الأول من مستويات التأريخ؛ إذ إن اجتهادات الفقهاء والأصوليين للبحث عن المقاصد انطلقت وانشعبت من هذه النصوص، ونشرع في الحديث عن مطالب هذا المبحث، والله المستعان.
المطلب الأول: التقصيد الجزئي عند الصحابة والتابعين:
لم يسَعِ الصحابةَ أو التابعين إلا أن يسيروا على سنن القرآن الكريم، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فكان انطلاقهم فيما اختاروه من اختيارات فقهية محققًا لمصلحة الخَلْق، ومراعيًا لمقاصد الشرع.
وقد أكد إمام الحرمين الجويني أن الصحابة والتابعين اكتسبوا علم أسرار الشريعة ومقاصدها:"مِن طول صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفتهم الأسباب التي ترتب عليها التشريع؛ حيث كان ينزل القرآن وترد السنة نجومًا، بحسب الوقائع مع صفاء الخاطر؛ فأدركوا المصالح، وعرَفوا المقاصد التي راعاها الشارع في التشريع" [1] ، و"كانوا ـ رضي الله عنهم ـ لا يُقِيمون مراسم الجمع والتحرير، ويقتصرون على المرامز الدالة على المقاصد" [2] .
ويؤكد ابن القيم هذا المعنى فيقول:"وقد كانت الصحابة أفهمَ الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مرادُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعدِلُ عنه إلى غيره البتة" [3] .
والشاطبي وصَف الصحابة فقال عنهم:"عرفوا مقاصد الشريعة فحصَّلوها، وأسسوا قواعدها وأصَّلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها" [4] ، وقال أيضًا عنهم:"هم القدوة في فَهْمِ الشريعة والجري على مقاصدها" [5] .
(1) البرهان في أصول الفقه: 1/ 6، عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني أبو المعالي، تحقيق: د. عبدالعظيم محمود الديب، دار الوفاء، المنصورة، مصر، الطبعة الرابعة، 1418 هـ.
(2) السابق: 2/ 688، وهي كلمة القاضي الباقلاني.
(3) إعلام الموقعين: 1/ 219.
(4) الموافقات: 1/ 7، طبعة مشهور.
(5) السابق: 5/ 76.