يتبين من خلال تلك الأمثلة أن الكتاب يغلِب عليه المحاسن والأسرار والمعاني والمناقب وما يدور في فَلَك مُلَح العلم، ولا يعني هذا أن الكتاب يخلو من مقاصد للأحكام الجزئية العملية؛ فالمتتبع لما سوى العبادات من حدود وبيوع وزواج وطلاق في محاسن البخاري لا يخطئه تلمُّسه للمقصد الجزئي ومحاولاته للوقوف عليه، وهو ما يحتاج إلى تفريق وتمحيص وتحقيق.
للعز بن عبدالسلام عدد من الكتب يحمل عنوان المقاصد وما في معناه، مثل: مقاصد الصلاة، مقاصد الصوم، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، فوائد البلوى والمحن، بالإضافة إلى كتابه شجرة المعارف والأحوال.
وسوف نقتصر هنا على ما كتبه في العبادات؛ لِما لهما من صلة بالتقصيد الجزئي واستقلال فيه.
الفرع الأول: مقاصد الصلاة:
يرى العز بن عبدالسلام أن مقصود العبادات كلها التقرب إلى الله عز وجل [1] ، أما مقصود الصلاة الأعظم عنده فهو تجديد العهد بالله تعالى، وقد اشتملت من أعمال القلوب والألسن والجوارح فرضًا وندبًا على ما لم تشتمل عليه غيرها، ونهى فيها عن أقوال لم ينهَ عنها في غيرها، كل ذلك ليتوفر المكلف على الإقبال عليها؛ لأن مقصودها تجديد العهد بالله؛ ولذلك جعلت لها مواقيت متقاربة؛ لئلا يبعد عهد العبد بذكر الله، قال الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] [2] .
هذا هو أبرز ما ذكره العز في مقاصد الصلاة، وبعد ذلك يستعرض أفعال الصلاة وأقوالها، واجباتها ومندوباتها، والحقوق التي فيها، موظفًا كل ذلك في تعزيز مقصود الصلاة، وهو ذكر الله تعالى.
** ومن ذلك قوله في موضع آخر عن سر التكبير:"ولما كان مقصود الصلاة الذكر، وجب أن يتعرف قدر المذكور وملاحظته؛ ليلزم معه الأدب؛ فافتتحت بالتكبير الدال على الكبرياء؛ ليعلم لمن هو قائم وقاعد وراكع وساجد، ليخضع له خضوعًا يجب مثله لكبريائه، فإذا لاحظ كبرياءه لزم أدب الصلاة الظاهرة والباطنة، واشتغل بالله وحده ... ولذلك شرع التكبير لله في جميع الانتقالات؛ لأن اشتغاله في أطوار الصلاة بملاحظة أذكارها قد"
(1) مقاصد الصلاة: 75، دراسة وتحقيق عبدالفتاح حسين محمد همام، مكتبة أولاد الشيخ للتراث، مصر، الطبعة الأولى، 2004 م، وللمحدث الحافظ قطب الدين القسطلاني (ت: 686 هـ) كتاب بعنوان:"مراصد الصلاة في مقاصد الصلاة"، فصَّل فيه القول في الأسرار والمعاني أكثر من كلام ابن عبدالسلام هنا، ولم يختلف في أن مقصود الصلاة هو ذكر الله تعالى، والكتاب نُشر بتحقيق محمد صديق المنشاوي السوهاجي، دار الفضيلة بالقاهرة.
(2) مقاصد الصلاة: 79 - 80.