فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 89

واختلاف عثمان هنا ـ رضي الله عنه ـ مع ما جرى عليه العمل فيما سبقه من عصور ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف عصر وزمان، وتحقيقًا لمقصود الشارع، وحفظًا لحقوق الناس.

قال السرخسي [1] :"وتأويله عندنا: أنه كان في الابتداء ـ يعني عدم الالتقاط ـ فإن الغلبة في ذلك الوقت كان لأهل الصلاح والخير، لا تصل إليها يد خائنة إذا تركها واجدها، فأما في زماننا لا يأمن واجدها وصول يدٍ خائنة إليها بعده، ففي أخذِها إحياؤُها وحفظُها على صاحبها؛ فهو أولى" [2] .

وقال الكشميري الهندي [3] :"تمسَّك الشافعية بهذا على عدم التقاط الإبل، ومذهبنا أن يلتقط الإبل، وأما عهد السلف فكان عهدَ الأمانة بخلاف زماننا فإنه زمان الجناية فيلتقط؛ فالاختلاف باختلاف الأعصار" [4] .

فالحكم هنا دار مع مقصده، ولم يجمد حين تغير الحال والزمان، وإذا كان عصر هؤلاء الفقهاء كان عصر جناية وخيانة، فكيف بعصرنا الآن؟ إن الأخذ بهذا الرأي يتوجب في عصرنا أكثر.

ولعلنا لا نذهب بعيدًا عن الصواب إذا قلنا: إن ما سوى الإبل مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتقاطه للخوف عليه، لو جاء عصر أو تحققت حال يأمن فيها على هذه الأنواع من الضياع، وضمن فيه أو يغلب الظن أن تكون مصونة محفوظة وتصل لأصحابها دون التقاط - لكان الحكم تركها، لا التقاطها؛ تحقيقًا للمقصد، وحفظًا لحقوق الناس، وهو عين ما انطلق منه النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه.

الفرع الثالث: معاذ بن جبل وزكاة أهل اليمن:

وهذا معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن واليًا وقاضيًا، أمره أن يأخذ الزكاة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم، وحذره النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن من أخذ كرائمِ أموال الناس ـ أي أجودها وأفضلها من المواشي والزروع ـ وإنما يأخذ من أوسطها، لا الأفضل ولا الرديء؛ روى البخاري بسنده عن ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبلٍ حين بعثه إلى اليمن: (( إنك ستأتي قومًا أهل كتابٍ، فإذا جئتهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا

(1) هو محمد بن أحمد بن أبي سهل، أبو بكر السرخسي، الإمام الكبير شمس الأئمة، صاحب المبسوط وغيره، أحد الفحول الأئمة الكبار أصحاب الفنون، كان إمامًا علًّامة حجة، متكلمًا فقيهًا أصوليًّا مناظرًا، وكان أنظرَ أهل زمانه، وأخذ في التصنيف، وناظر الأقران، فظهر اسمه وشاع خبره، أملى المبسوط نحو خمسة عشر مجلدًا وهو في السجن بأوزجند محبوس، توفي 490 هـ، طبقات الحنفية: 28 - 29.

(2) المبسوط: 11/ 19، تحقيق: خليل الميس، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1421 هـ 2000 م، وانظر شرح فتح القدير: 6/ 125، دار الفكر، بيروت، والاختيار لتعليل المختار: 3/ 37، وذهب الشافعي إلى عدم التقاط الإبل مطلقًا، وقاس عليها البقر، انظر الأم: 4/ 65 - 66، دار المعرفة، بيروت، 1393 هـ.

(3) محمد بن علي بن صادق بن مهدي الكشميري اللكهنوي (1260 - 1309 هـ = 1844 - 1891 م) : من المشتغلين بالتراجم، له: (نجوم السما في تراجم العلما - ط) في القرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، الأعلام: 6/ 300.

(4) العرف الشذي شرح سنن الترمذي: 3/ 137، تحقيق: محمود شاكر، مؤسسة ضحى للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت