وإذا كانت المقاصد تقرب بين الفقهاء، وتقلل مساحات الخلاف، فلا يستغرب أن يكون لها دور فاعل في تقليل الخلاف بين العاملين والدعاة، والقضاء على الشغب في ساحة العمل للإسلام، وكما قال ابن عاشور:"إن أعظم ما يهم المتفقهين إيجاد ثلة من المقاصد القطعية؛ ليجعلوها أصلًا يصار إليه في الفقه والجدل" [1] .
وسيظل العمل الإسلامي ـ رموزه وقواعده ـ في محنة كبيرة ما لم نتدارك هذا الأمر بنشر ثقافة المقاصد، وتمكين الوعي المقاصدي بينهم؛ لأن هذا ضمانة كبيرة لسلامة البدن الإسلامي، واستعادة العافية للدعوة الإسلامية بكل شرائحها وفصائلها، وأرجى لأن يحقق العمل الإسلامي مقاصده، ويصل لغاياته.
ومن أهم الوظائف التي تثمرها رعاية المقاصد: وظائف التصحيح والمعيارية والتقييم والتقويم، وإذا كان المطلب الأول والثاني أقرب إلى إفادة المكلف، فإن هذا الفرع أقربُ إلى حسن التعامل مع التكليف نفسه.
فالمعرفة بمقاصد الأحكام الفرعية العملية هي صلب الفقه والفهم والاستيعاب والوضوح، وهذا الفهم والوضوح هو الذي يمكن المكلف من كل ما سبق.
ولنضرب مثالًا في تصحيح المواقف وتقييمها وتقويمها بموقف هارون من موسى حين ترك القوم يعبدون العجل، ولنورد القصة كاملة من القرآن الكريم؛ قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ * وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 148 - 151] .
وقال ـ عز وجل ـ في مقام آخر موضحًا نهيَ هارون لهم عن اتخاذهم العجل، وأن ربهم الرحمن: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 90 - 94] .
فانظر إلى نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ حين علم وأتى ورأى قومه عاكفين على العجل يعبدونه من دون الله، ماذا فعل؟ رجع غضبان أسفًا، ونهر قومه وعنفهم في الخطاب: {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}
(1) مقاصد الشريعة: 37،