فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 89

[الأعراف: 150] ، ولم يكتفِ بذلك، بل ألقى الألواح ـ وهي المقدسة التي فيها التوراة ـ وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه!

وما ذلك إلا لأن موسى ـ عليه السلام ـ لم يعرف من هارون أهدافه ومقاصده من هذا الفعل، فلما شرح له هارون ـ عليه السلام ـ وجه فعله ومقصد تصرفه من أن القوم استضعفوه، وكادوا يقتلونه، وبيَّن له خشيته من أن يقول له موسى: {فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94] ـ حين وضَّح له هارون هذه المقاصد، وكشف له هذه الغايات: {سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} [الأعراف: 154] و {أَخَذَ الْأَلْوَاحَ} [الأعراف: 154] ، وقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151] .

ومثال آخر من السنة النبوية، وهو حديث الأنصار والمهاجرين، الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال:"لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريشٍ وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيءٌ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت؛ قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيءٌ، قال: (( فأين أنت من ذلك يا سعد؟ ) )، قال: يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤٌ من قومي، وما أنا، قال: (( فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ) )، قال: فخرج سعدٌ، فجمع الناس في تلك الحظيرة، قال: فجاء رجالٌ من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعدٌ، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمِد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهلٌ، ثم قال: (( يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، وجدةٌ وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلَّالًا فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألَّف الله بين قلوبكم؟! ) )، قالوا: بل الله ورسوله أمَنُّ وأفضل، قال: (( ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ ) )، قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المنُّ والفضل؟ قال: (( أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدَقْتُم وصُدِّقْتُم: أتيتَنا مكذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فأغنيناك، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعاعةٍ من الدنيا تألَّفتُ بها قومًا ليسلِموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمدٍ بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعبًا وسلكت الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ) )، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قِسمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرَّقنا" [1] .

(1) مسند الإمام أحمد: مسند أبي سعيد الخدري، رقم (11748) ، 3/ 76، مؤسسة قرطبة، القاهرة، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت