وهذا من مقومات صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وخلودها وعمومها، يقول ابن عاشور:"معنى صلوحية شريعة الإسلام لكل زمان: أن تكون أحكامها كلياتٍ ومعانيَ مشتملةً على حكم ومصالح صالحة لأن تتفرع منها أحكامٌ مختلفة الصور متحدة المقصد" [1] .
وربما يختلف الأمر في العبادات عن غيرها، فوسائل العبادات لا بد من الإتيان بها على وجهها كما شرعها الله تعالى، أما في غير العبادات فإن الأمر مختلف، فلا يكاد يوجد حكم فيها واضح المقصد إلا وتتعدد وتتنوع صوره ووسائله.
ولا يعني هذا أن الأمر في العبادات هكذا بإطلاق، وإنما هناك من وسائل العبادات ما يتنوع صوره أو وسائله.
وإذا كانت المقاصد ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، فإن الوسائل تمثل عنصر المرونة والتغير والسَّعة في الشريعة الإسلامية لاستيعاب المستجدات، واحتضان التطورات، وتحقيق الغايات.
وأحوج من يحتاج إلى فقه الوسائل هم الدعاة إلى الله تعالى؛ إذ إن الدعوة مجال خصب ورحب، ويحتاج إلى مرونة في المواقف والوسائل، وإلى سَعة أفق، وبخاصة في عصرنا الذي أصبحت سمته التعقيد والتضييق والتشابك.
ولقد سلك سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ وسائل متعددة ومتنوعة لتحقيق مقصده، وهو تبليغ الرسالة مع عناد قومه وإصرارهم على رفض الدعوة: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 5 - 12] .
ونحن نعلم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من تنوع الوسائل وتعددها وتجددها وسَعتها ما لا نعلمه عن نبي مع قومه، ولا رسول مع رسالته، والمطالع لسيرته الشريفة لا يخطئه هذا المعنى في مراحلها جميعًا [2] .
ولا تقلُّ حاجة الفقه عن حاجة الدعوة في هذا المعنى، وبخاصة في مجال السياسة الشرعية [3] ، الذي يحكمه"فقه المصالح والمفاسد"بما يحقق مقاصد الشريعة ومصالح الناس، وفي ظل هذا الفقه تتجلى البراعة في استخدام الوسائل
(1) مقاصد الشريعة: 92، طبعة دار السلام.
(2) راجع في هذا المعنى: الفكر المقاصدي للريسوني: 104، وقد ضرب مثالًا على الوسائل بالديموقراطية.
(3) انظر: دور مقاصد الشريعة في السياسة الشرعية منهجًا وممارسة، رحيمة بن حمو، مخبر الدراسات الشرعية، جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر، العدد الرابع: 2/ 600 - 615، صفر 1426 هـ/ مارس 2005، وانظر: دور الاجتهاد المقاصدي في السياسة الشرعية، د. أم نائل بركاني، ضمن الندوة العالمية عن الفقه الإسلامي وأصوله وتحديات القرن الواحد والعشرين، مقاصد الشريعة وسبل تحقيقها في المجتمعات المعاصرة: 1/ 474 - 487، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، كوالالمبور، (14 - 16 رجب 1427 هـ ــ 8 - 10 أغسطس 2006 م) ، وعلاقة مقاصد الشريعة بعلم السياسة الشرعية، د. خالد بن إبراهيم بن محمد الحصين، نفس المرجع.